كان صلى الله عليه وسلم خطيبا لا يبارى ، يقصد إلى الحقيقة ، فيضعها بين سمع الناس وبصرهم ، لا يحاول أن يستبى القلوب بزخرف القول ، يكره التفاصح والتنطع ، بيِّن العبارة ، واضح المعنى ، وله خطب طوال لا حشو فيها ولا تقصير ، وقصارى القول إن كلامه هو الكلام الموجز الشامل . يقول أبو سعيد الخُدرىّ: صلى بنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوما صلاة العصر ، ثم قام خطيبا ، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به ، حفظه من حفظه ، ونسيه من نسيه ، وكان فيما قال : " إن الدنيا خضرة حلوة ، وإن الله مستخلفكم فيها ، فناظر كيف تعملون . ألا فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه ، ألا إنه يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته ، ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة . ألا وإن الغضب جمرة فى قلب ابن آدم ، أما رأيتم حمرة عينيه ، وانتفاخ أوداجه فمن أحسَّ بشئ من ذلك فليلصق بالأرض " . ثم انظروا إلى هذه الخطبة الجامعة لكثير من أصول الشرائع ، فى صفحة موجزة ، يلقيها على مائة ألف ، فى موقف عرفة فى حجة الوداع ، ففيها ألغى مآثر الجاهلية ، وقرر مبادىء المساواة ، وحرم الثأر وقضى بذلك على أقدم عرف للعرب ، وأمس شئ بقلوبهم ، وقضى كذلك على الربا ، ورفع درجة المرأة ، وحرم الفتن والنهب والغزو ، وكان مفخرة وعزة ، وذكر الأشهر الحرم ، فسوى بين أوقات السنة فيما هو حلال أو حرام بالباطل ، وحرم النسئ الذى ألفه الجاهليون ، ونصح الناس فى أمور شتى ، وحذرهم ما يحقرون من أعمالهم ، وما يستهينون به من الآثام . قال صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس اسمعوا قولى ، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا . أيها الناس : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم ص _350
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٢١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٢١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي