نعم ، وكلما سرت فى الطريق منتصب القامة ، رافع الرأس ، عزيز النفس ، أرمق الكبار والصغار على أنهم عبيد مثلى لله الذى أدعوه وحده وأرجوه وحده . وكلما شعرت بأنى إنسان أعرف من أين جئت ؟ وإلى أين أصير ؟ ولماذا خلقت ، وماذا أفعل وماذا أترك ؟؟ وكلما تصورت أن هناك بشرا كثيرين ، تكتنفهم الحيرة والظلمة لأنهم محرومون من ذلك المتاع المتاح لى ، أحسست أن فى عنقى وعنق كل مؤمن مثلى دينا للرجل الطيب الكريم الذى مهد لنا بجهاده هذا الصراط المستقيم ، لمحمد صلى الله عليه وسلم . إن هذه نظرة قد تكون منبعثة من الأثرة . رجل أهدانى خيرا جزيلا ، وهدانى إلى حق جليل ، فبديهى أن أذكره وأشكره ، وأذيع بين الناس صنيعه . لكن لماذا لا يُقدر المرء لفضله المجرد ؟ إن الجمال الرائع يُعجِب وكذلك الذكاء البارع ، والتفوق البارز فى أى شأن من شئون الحياة . إن المعدن الإنسانى النفيس يستحق أن يغالى به تلقائيا ، وأن تعرف له مكانته . لقد طوفت ببصرى ، وأنا تحت ، ومعى على السفح ألوف مؤلفة من أوساط الخلق. رفعت الرأس ونظرت إلى القمة المتوجة بالنور والبر والبركة . تأملت فى سيرة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشمائله وسياسته . . ورأيت أنه من هنا انبجست جميع القيم والمُثل التى تحدو الإنسانية إلى أمجادها ، فعرفت سر الحقيقة التى تقال دون افتعال أو افتخار ، تقال للتعليم لا للاستعلاء ، يقولها هذا الرسول نفسه : "أنا سيد ولد آدم ، ولا فخر" . يقولها ليرسم الطريق أمام كل حُر يكره الهوان . أمام كل امرىء يكره حيرة الباطل ، وهوان الجمود . أمام كل إنسان ينشد الوصول إلى أسباب السيادة الصحيحة . يقولها ليعرف الجميع من أين تؤخذ الأسوة الحسنة . * * * على كل داعية إلى الله أن يعرف قدر محمد صلى الله عليه وسلم جهد طاقته ، وإذا جأر إلى الله بالصلاة عليه ، فليُودِع هذه الصلاة روح الحب ، والشكر . ! ثم على كل داعية أن يعرف كيف خلص هذا الحق له . ص _346
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣١٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣١٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي