الداعية رجل يحيا فى القرآن عقلا وعاطفة ، ويراه أساس وجوده المادى والمعنوى ، ووظيفته التى تشغله بمغانمها ومغارمها . . ولا ريب أن حياته على هذا النحو ترقى آمادا رحبة عن مستوى الناس . إنها ترفعه إلى الملأ الأعلى ، وذاك معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة" . لكن ، هل يسهل الوصول إلى تلك المكانة ؟ والجواب : إنه ليسير على من يسره الله له . والواقع أن امساك الآيات فى الذاكرة صعب ، ما لم يتعهدها الإنسان باستمرار التلاوة . والقرآن فى جوف الإنسان أشد تفصيا من الإبل فى عقلها ، كما ذكر النبى صلى الله عليه وسلم ، فكيف بالحياة معه ، والتنفس فى جوه ؟؟ إن ذلك يحتاج إلى طول مجاهدة ، ودوام صحو . والدعوة إلى الله على كل حال ليست مسلاة امرىء خالى البال . فإن لم يستعد الرجل لها باستجماع قلبه ولبه فهيهات أن يصل . والجهد الإنسانى وحده ضائع ما لم تلحقه العناية العليا ، ويدركه الفضل العظيم . والأمر يتطلب مزيدا من الضراعة والإنابة والدعاء . وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو فيقول : "اللهم أنا عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، وفى قبضتك ، ناصيتى بيدك ، ماض فى حكمك ، عدل فى قضاؤك... إلخ". * * * ورسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فى هذه الصلة بالقرآن . ومنه يتعلم الدعاة كيف يكونون صلتهم بالوحى المبارك . والداعية الذى يحيا فى جو القرآن ينشد للمجتمع حوله أن يحيا هو الآخر فيه ، وأن يقيم أوامره ويجتنب نواهيه ، وينفذ أحكامه ، ويرعى حدوده ، ويُقبل عليه إقبال المعظم لرسالته ، الموقن بصدقها ، الراجى سعادة الدارين من ورائها ... ومن ثم فهو يلفت النظر بقوة إلى أن التوقير المفتعل لمجالس القرآن وأصوات التلاوة ـ كما مردت على ذلك العامة ـ لا جدوى منه ، وأن القرآن ما نزل لهذا ، ولا يخدم بهذا . القرآن أمة تُنشأ فى بوتقته ، وكيان يصاغ وفق تعاليمه . ص _344
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣١٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣١٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي