تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بقدر ما يهمه اختيار أشدها تعصبا ، وأكثرها استعدادا للتنكيل بالمخالفين ، والاستئثار دونهم بالحياة والسلطة. ص _320

ولقد وجد ضالته المنشودة فى المسيحية ، فاختارها بعدما وثق من تحقق آماله فى رجالها ، وقرر ـ لهذا السبب فحسب ـ جعلها دينا رسميا للإمبراطورية ... ". ثم وكل إليها أن تستأصل شأفة اليهود ، والوثنيين . وتحقق للسياسى الداهية ما يريد ، فإن الحاكم يعبد دولته كما يعبد الشحيح ثروته ، وهو يتخذ كل شئ وسيلة لتوطيد حكمه ، وإعلاء شأنه وحده . وقد حاولت المسيحية ـ لما ظهر الإسلام ـ أن تطبق عليه قانونها العتيد ، وأن تعامله بخاصتها الفريدة . فلما أعجزتها صلابة المؤمنين به تولت عنهم وهى تصمهم بأقبح السباب . . وظلت ـ على بُعد ـ تتربص بهم الدوائر حتى إذا لاحت فرصة للوثوب ، هجمت لتلغ فى الدم الحرام ، وتنفرد فى الأرض بالبقاء …… عيب الإسلام أنه عرف هذه العلة ، وتغلب عليها ، ولم يضعف أمام الحاقدين .. إن طبيعة الصلة بين النصرانية والإسلام تشبه ـ إلى حد بعيد ـ طبيعة الصلة بين "الشيوعية" أو "النازية" وبين النظام البرلمانى الأصيل . فإن ذلك النظام يحقق للأفراد والجماعات أنصبة مطلقة من حرية القول والعمل ، ومن حق الحياة والتجمع والمعارضة . . وفى ظل هذا الوضع الديمقراطى يستطيع "الشيوعيون" أن يظهروا ، وأن ينشروا رأيهم وأن يهاجموا خصومهم ، وأن يكون لهم حزب معترف به . وذلك كما نرى فى "إنجلترا" و"فر نسا" و "إيطاليا" وغيرها . فإذا حدث أن تكونت للشيوعيين كثرة محدودة وصلت بهم إلى الحكم تغيرت الأوضاع القديمة للفور ، وألغيت الأحزاب الأخرى ، وخنقت الآراء الناقدة ، وأمسى مفروضا على المعارضين أن يذوبوا ، أو يتجمعوا ـ إذا شاءوا المخاطرة بأعناقهم ـ فى جوف الليل ، وفى خفية عن الرقباء ، كما نرى فى "روسيا" و "الصين" وغيرهما . . وهكذا الحال بالنسبة إلى الإسلام ، إنه يمنح غيره ضمانات البقاء كلها ، ولذلك عاش الكافرون

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٠٧