تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أننا رجعنا إلى الوراء قرونا لا تتجاوز أصابع اليد ، لرأينا من معالم الحضارة الإسلامية ومظاهر التأخر الغربى ما يدعو إلى العجب . كان المسلمون أنظف أبدانا ، وأنضر أفكارا ، وأرق قلوبا ، وأرقى آدابا ، وأوسع عمرانا ، وأضخم غنى ، وأشد قوة من أقطار الغرب كلها . . وكانت عواصم الإسلام ملأى بالحمامات والمستشفيات والمدارس والجامعات والمصانع والمتاجر ، على حين أن عواصم الغرب كانت محرومة من أغلب هذه المؤسسات . وكان المسلمون آية ناطقة بالتسامح الدينى والمرونة العقلية ، على حين أن أقطار الغرب كانت مبللة الثرى أبدا بضحايا القتال الدينى ، والحرية العقلية . ويظهر أن عددا من رجالات الغرب رأى أن جحد ما للإسلام من أياد على العالم شئ غير مستطاع ، أو عمل غير صالح ، فسلك طريقا أخرى هى أن يعترف للمسلمين بفضل جزئى محدود ، ويواجه ما قدموه للعالم من مدنية وارتقاء ، ثم ينسب جرثومته إلى اليونان الأقدمين . . ومعنى هذا أن العرب نقلوا تراث الفلسفات الإغريقية الأولى ، وأنهم أضافوا إليها من عندهم أشياء ذات بال ، وأنهم بذلك يستحقون الحمد على ما نقلوه ، وما أضافوه. إذ لولا تلك الجهود ما بدأ عصر النهضة ، ولا أبصر العالم الحديث بكنوز الإغريق الأولين ، ولا قامت هذه المدنية العظيمة التى يعيش الناس الآن فى ظلها . * * * وهذا الكلام ـ فى رأينا ـ لا يجدى فتيلا ، ولا يرضينا كثيرا ولا قليلا . والحق عندنا أن النهضة العقلية التى صنعها الإسلام مستقلة المنبع والوجهة ، وأن التفكير الإسلامى المُستقى من إيحاءات القرآن والسنة ، بعيد كل البعد عن منازع الفلسفات الإغريقية على اختلافها ، وأنه إذا كان لأفكار اليونان من أثر فى ثقافتنا نحن ، فذلك الأثر هو أنها اعوجت بالعقل الإسلامى وضللت سعيه . ونزيد على ذلك أن الحضارة الحديثة ، وكشوفها المادية ، وأساليبها العلمية لم تتقدم خطوة إلى الأمام إلا بعد أن نبذت فلسفة الإغريق ، ومنطق أرسطو

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٠٠