والحقيقة أن الشعوب الأوروبية ، والإفريقية ، والأسيوية ، كانت إلى ثلاثة قرون تقريبا أنزل رتبة من الأمة الإسلامية فى كل شأن مادى وأدبى . وأنها كانت فريسة لجملة من جراثيم الجهل والتعصب والجمود ، تزرى بقدرها أشد الزراية . ولا ندرى كيف أن المسلمين الفاتحين تتلمذوا على شعوب جاءوا إليها ليفكوا عنها أغلال التقليد ، وغشاوات العمى ؟ لقد كانت روما ، وبيزنطة ، والقاهرة ، ودمشق ، والمدائن ، وسائر العواصم . . التى طرق الإسلام أبوابها ، تعيش فى سجن من الآراء الدينية الضيقة ، بعضها وثنى ، والأخر قريب منه ، فكيف يُظن أن أهلها كانوا أفضل من المسلمين يومئذ ؟ نعم إن العرب ترجموا كتب الأولين من يونان ، وفرس ، لا ننكر ذلك ، وطلبوها من مظانها البعيدة . . بيد أن من الإنصاف أن نتساءل : ماذا كانت أحوال البلاد التى استقدمت منها هذه الكتب ؟ لقد عبرت دهرا ، وهى لا تعى منها شيثا . ومضت بعد ذلك أعصار عليها وهى لا تعلم عنها شيئا . لقد كانت فى نوم عميق . فهل النهم العلمى الذى خلقه الإسلام فى نفوس العرب ، وأغراهم بالاطلاع على كل شئ سواء احتاجوا إليه أم استغنوا عنه ، هل هذا النهم البال ، وتلك الحرية الغربية ، يبعثان المفكر النزيه على اتهام العرب بأنهم تسولوا العلم من أمم كانت أذكى منهم وأقدر ...؟! فأين كان ذكاؤها من قبل ومن بعد ، وهى لم تذق طعم المعرفة إلا بعد ما تتلمذت علينا ؟ إن الأحقاد مهما كلحت لا تستطيع تغطية الحقائق الكبيرة . والحضارة التى تبعت انتشار الإسلام فى الأرض ، كانت من السناء والازدهار بحيث تعجز المكابرين وتكرههم على الإقرار بفضلها . ذلك إلى أن تأخر البلاد التى لم تعتنق الإسلام ، وتخلفها البعيد فى شتى الميادين ، يجعل مدنية الإسلام أكثر بروزا وأشد تألقا !! ص _309
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٢٩٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٢٩٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي