تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفى القرآن ـ كما نعلم ـ أحسن القصص . والمتحدثون للعامة من هذا القبيل لا يشغب عليهم ، ولا يمنعون من إرشادهم . وأول من قص من التابعين بمكة "عبيد بن عمير الليثى" . وقد حضر مجلسه "عبد الله بن عمر" ، فكان ذلك داعيا إلى إقبال الناس عليه . وقال عطاء : دخلت أنا وعبيد على أم المؤمنين عائشة ، فقالت : من هذا ؟ قال : أنا عبيد بن عمير ، فقالت : قاص أهل مكة ؟ قال : نعم . قالت : خفف فإن الذكر ثقيل ! ونصيحة عائشة تشير إلى أن الرجل لم يكن من الأخباريين أصحاب الحكايات الملفقة ، بل كان مذكرا بالله جل شأنه فى فقه وجد . وأول من لزم القص فى مسجد المدينة ، مسلم بن جندب الهذلى ، وهو إمام المدينة وقارئها . وفيه يقول عمر بن عبد العزيز : من سره أن يسمع القرآن غضا فليسمع قراءة مسلم بن جندب . قال الأستاذ على محفوظ : "… ولم يكن القص فى القرن الأول مرذولا لأن فنونه إنما كانت ترجع إلى القرآن والحديث . ولم يكن يشوبه شئ إلا ما كانوا يسمونه بالعلم الأول ، وهو ما يتعلق بأخبار الأمم الماضية . وأكثره يأخذونه عمن أسلم من أهل الكتاب . وبعض هؤلاء كان غزير العلم واسع الحيلة فى قصص الأولين كـ "عبد الله بن سلام " الذى أسلم عند هجرة النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ، و "كعب الأحبار" الذى أسلم فى خلافة "عمر" ، وتوفى سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة . وعن هذين الرجلين ، و"وهب بن منبه" المتوفى سنة أربع عشرة ومائة ، أخذوا سواد قصصهم مما يتعلق بالأمم ، وأحوال الأنبياء ، والنذر الأولى . ولما كان القرن الثانى وانتهى عصر كبار الوعاظ والقصاص من التابعين ـ ومنهم "الحسن البصرى" رضى الله عنه ـ نشأت بعده الطبقة التى أخذت عنها العامة . وقد اضطربت الفتن ، وكثر الكلام ، وفشت الأكاذيب فى الحديث ، وأخبار العرب والشعر ، فصار هم القاص أن يجىء بالغرائب ، ويكثر من الرقائق ، لأن أهل العلم انصرفوا إلى حلقات الرواية ، ولم يبق فى حلقات

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٢٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٢٥٩