ولم يسأل الناس إلا عما يعنيهم ولم يجابوا إلا بما يفيدهم . . فلما أصيبت الأمة بالعطل ، ولحقتها آفات الفراغ ، عادت على دينها تشتغل بالكلام فيه ، واستغلت رحابة الآفاق العلمية فى طبيعة الإسلام ، فأخذت تجرى شوطا هنا ، وشوطا هناك دون غاية سديدة . ولكن ماذا تصنع لتملأ الوقت الواسع ؟ إن الساعة الواحدة يتلى فيها من القرآن الكريم ما تنزل الوحى به فى بضع سنين. ويقرأ فيها من حديث رسول الله ما تردد على الآذان فى مثل هذا الأمد الطويل . ثم إن أسلوب البحث والنقد لا تتسع له مدارك العوام . إذن هناك القصص ، وحكاية الأخبار والروايات الماضية . فإذا نفدت من التاريخ الإنسانى ، فعلى الخيال أن يخترع من الحوادث والمواقف ما يشبع نهمة المستمعين ، ويثير إعجابهم ويريح فضولهم . وعوام المسلمين ليسوا بدعا من عوام الأمم الأخرى فى تلك الناحية . ولو نظرت الآن إلى الروايات الاجتماعية ، والغرامية ، والتاريخية التى اختلق الأدباء حوادثها من الوهم ، وسودوا بها ألوفا مؤلفة من الصحائف لأعجزك الإحصاء . والغرض ؟ تسلية العامة فى الحقيقة ، أو خدمة بعض الأفكار والمبادىء كما يقولون . وما أقل الروايات ذات الهدف فى عالم التأليف . إن القصاصين فى تاريخنا أراحوا العوام ، وأرضوا رغائبهم ، ولكن على حساب الدين للأسف . ثم جاء نفر من الوعاظ والأئمة ، فأحيوا هذا اللون البالى من القصص القديم ، القصص الدينى المسلى ، وملأوا به الدروس والمحاضرات . ثم انتقل الأمر إلى طور آخر ، فقد ألفت روايات إسلامية تتضمن بعض الوقائع التاريخية مع مزيج من الأحداث المتخيلة ورئى أن تمثل على المسارح خدمة للإسلام . وأنا رجل لا أومن لا بالمسرح الإسلامى ولا بالمسرح الآخر . إننى أضيق بهما جميعا . ولست أفرض طبيعتى تلك على غيرى ، ولكنى أقرر ـ بوضوح ـ أننى شديد النفور من بدعة التمثيل التى غزت حياتنا الأدبية والاجتماعية . ص _264
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٢٥٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٢٥٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي