تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القصص الدينى شاركت فى بعض الأحفال العامة التى تقام فى مناسبات إسلامية ، ونظرت إلى الجمهور الحاضر ، وهو جالس بضع ساعات يستمع إلى كلمات الخطباء المتعاقبة. وكنت أسائل نفسى : ترى ماذا سيصنع بهذا العلم كله ؟ إنه سينصرف وما علق بذهنه إلا القليل ، وما حرك من مشاعره ، أو غير من حياته إلا الأقل . واشتغلت عدة سنين بالوعظ فى المدن والقرى . وكنت أرى حشودا من الناس تجلس حول منصة الدرس ، تستمع بشغف إلى ما يقال . وبعضهم كان دؤوبا على تلقى شتى الدروس من الوعاظ والأئمة ، ثم هو يستأنف حياته القديمة بعد انتهاء الدرس . نعم ، يعود سيرته الأول ، كأن جديدا لم يعترض حياته . ولست أدرى إذا كان هذا النوع من الكلام والسماع باقيا ، أم جرفه السيل المدمر المقبل من الغرب ، فانقطع الكلام والسماع معا ..؟ وإنما الذى أدريه : أن بناء الحياة الدينية لا يقوم على مثل ذلك العبث . وأستطيع الجزم بأن السلف الصالح لم يدرس لهم العلم بهذه الطريقة ، ولم يدربوا على سماعه وتضييعه بذلك الأسلوب .. قد يبذل العلم لطالبه ، كما يبذل الماء للعطشان الذى يحتاج إليه . أما أن يسكب على التراب بهذا السفه ، فذاك شئ مُحزن . وما يقال فى تلك الأحوال ليس علما ، إنما هو تسل بالعلم ، وتضييع للفراغ به.. ولن تكون النتيجة ضياع الفراغ ، بل ضياع الحقيقة وسقوط قيمتها . . والأمة التى تقوم على الإسلام ـ حكومة ومجتمعا ـ تتعاون على تحويل العلم إلى عمل مثمر ، وجهاد نافع ، وأداء منظم لشتى الحقوق ، وتحقيق بارز لأهداف الرسالة . وذاك ما كان مألوفا إبان دولة الخلافة . فقد شغلت الجماهير بالكدح فى الداخل ، والجهاد فى الخارج ، فانسد الطريق من تلقاء نفسه على حلقات التسلى بالعلم . ص _263

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٢٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٢٥٥