ومن دلائل حياته وامتداده ، أن رسوله وخلفاء رسوله كانوا ـ باستمرار ـ يصلون أمداد الوحى بين الناس ، فما يضعف صوت السماء ، وما ينقطع ، مع هدير الخطيب الذى يتحدث باسم الله ، بين عباد الله . وصوت السماء هنا ليس نداء إلى عزلة ، أو أمرا بانسحاب ، كلا كلا . إنه صوغ الحياة نفسها وفق إرادة الله ، وقيادة الأحياء إلى الحق الذى تحاول الشياطين اختطافهم دونه . ولذلك لا تسمى خطابة إسلامية هذه الكلمات الميتة التى يسمعها الناس فى بعض المساجد ثم يخرجون ، وهم لا يدرون ماذا قال خطيبهم . لأنه لم يصل أحدا منهم بروح القرآن ، ولا أنعش قلبا بمعانيه ، ولا علق بصرا بأغراضه . القرآن كتاب طواف فى الكون ، وصاف لآفاقه ، متغلغل فى شئون الحياة يتناولها بالسرد والحكم . ويشرح وصاياه للفرد والمجتمع والدولة فى شمول وهيمنة ، ويستشف خبايا الأنفس والعقول ، فلا تدع ريبة ولا شبهة إلا أزاحها . يستحيل أن يفرط فى قضية تعنى الناس من معاشهم أو معادهم . إن لم يتناول الجزيئات كلها بالفتوى الحاسمة فإن أسلوبه فى خلق الضمير الزاكى والفكر الراقى يغنى ويكفى ويهدى للتى هى أقوم . والخطابة الإسلامية حقا ، هى التى تأخذ من القرآن وتسير معه . كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحيانا يخطب بسورة "ق والقرآن المجيد" ، وكان " عمر" أحيانا يخطب بسورة النحل : (أتى أمر الله فلا تستعجلوه…) . وإذا كانت لغة التخاطب قديما قلما تتفاوت مع لغة الأداء فإن فهم العامة للقرآن لا يبعد ولا يخفى . أما الآن فربما لا نخطب بالقرآن نفسه . ص _244
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٢٣٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٢٣٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي