تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا التدين وحده هو الذى تُلمَس منه الأسوة ويقتبس منه الهدى . ويؤسفنى أن أقول : إن هذا الضرب من التدين العالى نادر الآن ، وإن أشعة الكمال المنبعثة من وهجة لا تكاد يرى . بل إن نفرا من الناس الذين لا دين لهم أقرب إلى المسلك الصحيح وأجدر بالقوامة على شتى الوظائف من الذين انتسبوا إلى الدين ، وحملوا عنوانه دون اصطباغ به وتشرب لروحه . وعندما يُنكب الدين بأقوام كثيرين على هذا الغرار فالمجال واسع لشيوع الإلحاد ، وانتشار المعصية والعدوان . . قال لى صديق : إن فلانا "الأوروبى" إذا وكلت إليه مهمة خرجت من بين يديه متقنة الأداء ، ظاهرة الجودة ، أما فلان الذى يكثر الصلاة فقلما يريحنى فى إحسان واجب . لقد جزعت لهذه المقابلة بين الشخصين ، ولم يسؤنى منها أنها باطل ـ إذ هى حق ـ ، وإنما ساءنى منها أن ذلك "المتدين الكسول" دعاية شنيعة ضد الصلاة . إنها القدوة الرديئة تعمل عملها ضد المثل الرفيعة والمبادىء الفاضلة . وقد لاحظت أن الأجنبى ـ فى أغلب الأحيان ـ يرى خدشا لكرامته ، وطعنا فى كيانه أن يصدر العمل عنه ناقصا ، فهو يجوده احتراما لنفسه ، وصيانة لشخصه . على حين تجد مواطنا ينتمى إلى الدين ـ كما يزعم ـ ثم هو يقوم بالعمل على أسوأ الوجوه ويبسط لسانه بالجدل الطويل فى تسويغه وإقناع الآخرين بقبوله ! ولعلنا لم ننسى قصة المهندس الذى أشرف على بناء جسر السلطان أبى العلاء ـ وكان أجنبيا ـ فإنه لما رأى عمله لم يصل إلى درجة الكمال التى ينشدها رمى بنفسه من فوق الجسر العالى فهوى بين أمواج النيل ، وكاد اليم يبتلعه لولا إسعاف المنقذين . لقد أحس غضاضة من أن يعيش بعدما فشل فى إحسان العمل الذى كلف به . وإنما أثبت هذه القصة لأنى أعرف أناسا مثله ، وقعوا فى شر من تفريطه ، وخرج العمل من بين أيديهم مبتورا مشوها ، فلما عُوتبوا شرع كل منهم يتنصل ويعتذر أو يهز كتفيه ملقيا التبعة على غيره . ص _236

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٢٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٢٢٩