الله يهيئ للمسلمين قوما أمثل . * * * ص _233
الفصل الرابع
وسائل الدعوة
ص _234
القدوة الحسنة إن صلاح المؤمن هو أبلغ خطبة تدعو الناس إلى الإيمان . وخُلقه الفاضل هو السحر الذى يجذب إليه الأفئدة ويجمع عليه القلوب . أتظن جمال الباطن أضعف أثرا من وسامة الملامح ؟ كلا ، إن طبيعة البشر محبة الحسن والالتفات إليه . وأصحاب القلوب الكبيرة لهم من شرف السيرة ، وجلال الشمائل ما يبعث على الإعجاب بهم ، والركون إليهم . ومن ثم فإن الداعية الموفق الناجح هو الذى يهدى إلى الحق بعمله ، وإن لم ينطق بكلمة ، لأنه مثل حى متحرك للمبادىء التى يعتنقها . وقد شكا الناس فى القديم والحديث من دُعاة يحسنون القول ويسيئون الفعل ! والواقع أن شكوى الناس من هؤلاء يجب أن تسبقها شكوى الأديان والمذاهب منهم ، لأن تناقض فعلهم وقولهم أخطر شغب يمس قضايا الإيمان ، ويصيبها فى الصميم . ولا يكفى ـ لكى يكون المرء قدوة ـ أن يتظاهر بالصالحات أو يتجمل للأعين الباحثة ، فإن التزوير لا يصلح فى ذلك الميدان . ولابد أن ينكشف المخبؤ على طول المعاملة ، وامتداد الزمن ، وتمحيص الأحداث وسرعان ما يبدو معدن النفس على الحقيقة العارية . ذلك أن النفس المتحركة من هذا الروح "روح الإيمان" ، كالآلة الدائرة بما يعمر خزانها من وقود . أما النفس المحرومة من هذا الروح فهى كالآلة التى تدفع باليد حينا ثم لا يلبث أن يغلبها العطل والعطب فتتوقف وتسكن . والمصيبة الطامة أن بعض المنافقين يحسبون أن تمثيل دور الإيمان لا يحتاج إلا إلى شئ من التكلف والمصانعة ، كما أن بعض المتهاونين يحسبون أن لباس التقوى يمكن نسجه بشئ من إدمان الرسوم واتقان الهمهمة . وهذا ضلال بعيد ، فالأمر أخطر مما يظنون . إن التدين الحقيقى صورة لجوهر النفس بعدما استكانت لله ونزلت على أمره واصطبغت بالفضائل التى شرعها ، وترفعت عن الرذائل التى حرمها ، واستقامت على ذلك استقامة تامة . ص _235