فهو اليوم يحيا على فتات من بحوث علماء القرن التاسع عشر . ويكرر مقررات طرأ عليها تغيير كبير فى هذا العصر . وربما رأيت أحدهم يذكر النظرية العلمية ـ التى لا تزال فى مجال الظن ـ على أنها حقيقة مؤكدة دون وعى إلى أن هناك نظريات أخرى جدت وانتقل بها الفكر العلمى من حدس إلى حدس . ولم يزعم العلماء ـ الذين يحترمون أنفسهم ـ أنهم بلغوا بها منزلة الجزم ... وندع الكلام فى هذا المجال للأستاذ " محمد فريد وجدى" قال : " اتفق أهل العلم فى القرون الأخيرة ـ بعد كفاح أسلافهم لرجال الدين زهاء عشرة قرون متوالية فى سبيل حرية النظر على إطلاق كلمة " العلم" على المحصول العقلى والعملى لجميع مجالات البحث ، من أول ما اشتغل به الفلاسفة الأولون ، وجميع من جاء بعدهم من أهل التفكير الحر . والعلماء فى أوروبا جنحوا إلى هذا الشمول بعد جهاد شاق وضغط شديد . وقد صبروا على ما عُوملوا به من العسف ، وما سيموا به من الاضطهاد . حتى استشهد منهم فى القيام بحقه أكثر من ثلاثمائة ألف فى ثلاثة قرون متوالية ، إحراقا بالنار ، وإغراقا فى اليم ، وذبحا بالمدى ، وما لا يمر بخيال أحد من صنوف التعذيب التى تقشعر منها الأبدان . وكان الذين يتولون هذه الحركة العدائية للعلم هم رجال الدين ـ المسيحى ـ . فلما نشأت البروتستانتية فى النصف الأول من القرن السادس عشر ، واشتغل رجال الدين بالخلافات المذهبية وأظهر قادة هذا المذهب الأخير تسامحا مشكورا حيال العلم والمشتغلين به ، تحرر العلم من رقابة خصومه . فنهض رجاله ، وقد امتلأوا حقدا على الدين وأهله ، يشهرون بهم وبالعقائد السماوية معهم ويبالغون فى نقدهم ، ونقد مذاهبهم . وكلما أمعن هؤلاء فى تناحرهم ، وأغرقوا فى جهودهم ضد أنفسهم ، عمل أهل العلم على جمع صفوفهم وتقوية جهات ضعفهم وشغل العالم بنتاج أفكارهم . وعلى قدر ما كان يثمره العلم من الاكتشافات ومن اختراع الآلات وتدارك الحاجات ، كان يزداد تأثير
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٢٠٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٢٠٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي