تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك لأسباب أهمها أن العلم كان بيده ، بل كاد يكون احتكارا لرجاله على مدى العصور . ولا نريد أن نوغل فى القديم أكثر من هذا . فلنذكر القارىء بآثار كهنة سومر ـ أقدم الديانات ـ أو كهنة بابل ، أو غرائب علوم كهنة مصر ، أو أسرار مؤبذان فارس ، أو ما إلى ذلك . بل حسبنا أن نذكره بأن العلم كان بيد الكنيسة المسيحية . وأن الإسلام جعل للعلم قداسة كالدين ، فكان كل درس يبدأ باسم الله والتعوذ من الشيطان الرجيم . وكان طلاب التفقه فى الدين يدرسون " الفلسفة " و " الرياضة " و " الفلك " و " الطب " و "الكيمياء" ، كما كانت المعاهد الدينية هى نفسها مدارس علوم الحياة . وكان علماء الدين هم أساتذة تلك العلوم . لكن معاهدنا الدينية الإسلامية هجرت هجرا كليا علوم الحياة ، كما أن الغرب المسيحى انحرف عنها إلى حد كبير ، وإن ظلت المدارس الدينية فى بعض بلادهم تساهم مساهمة كبيرة فى تثقيف الشباب ، مع صبغهم بروح الدين . والدليل على ذلك ما قرأناه فى الصحف بالأمس القريب عما وقع فى "بلجيكا" وهو البلد الأوروبى المتحضر تحت عناوين بارزة ، مثل "بلجيكا على أبواب حرب أهلية " . ومجمل الخبر أن الحكومة البلجيكية خفضت المعونة التى تقدمها إلى المدارس الكاثوليكية ، وأن هذا أثار كثرة الشعب ـ ومنهم تلاميذ تلك المدارس طبعا ـ فاحتشدت مظاهرة فى الشوارع من مائة ألف كاثوليكى ، فيهم رئيس وزارة سابق وأعلنت احتجاجها على هذا التصرف . ولقد وقفت أمام هذه الأنباء التى شغلت الرأى العالمى أياما وقفة طويلة . وقرأت فيما بين السطور قوة الدين ومركز رجال الدين كأساتذة للجيل المعاصر هناك . وقارنت بين ربطهم العلم الدينى بالحياة ، وبين ما نحن عليه الآن . وإنه منذ زهد رجال الدين عندنا فى علوم الحياة ، بدأ العلم يشق طريقه غير آبة بالدين ولا حافل به . وبدأ الشبان يفهمون أن العلم شئ والدين شئ . وانصرفوا ـ بكل عقولهم ـ إلى العلم ، وانصرفوا بكل قلوبهم عن

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٩٥