ذلك ، وإنى لأعجب أشد العجب من إيمان لم يقم على التأمل فى الكون ولم ينم على دراسة الأحياء . إن أمداد اليقين التى ذكرها القرآن الكريم ليست شيئا آخر غير النظر الدارس والخبرة الذكية . هذه هى غذاء اليقين ونماؤه . وأى إيمان يقوم بعيدا عن تلك الأسس فهو قشر ليس له لب . وأى إيمان تضعف أمداده من النظر والخبرة فهو كالجسد الفقير إلى أسباب التغذية والتهوية ، يعجز عن أى جهد ويجثو أمام كل داء . إن الإسلام نقل التسبيح والتحميد من كلمات حالمة تقال فى صومعة قصية ، إلى كلمات مدوية ترسل فى أثناء التعليق على الأحداث الجارية ، وعلى شئون الحياة الصاخبة ، سواء فى ميادين الحروب أم فى ميادين السلام .. تدبر كيف افتتحت سورة " الحشر" بقول الله تعالى : (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) . وكيف تلا ذلك مباشرة قوله : (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله …). إن تنزيه الحق جل شأنه معنى أثبت فى الآية الأولى منتزعا من طبيعة الوقائع فى الآية الثانية وما تلاها . فإن الذين يظنون بالله ظن السوء حسبوا أن جحود اليهود ، وغدرهم بالعهود وإفسادهم فى الأرض واغترارهم بالمال والقوة أمر لن ينحسم ، وأنهم متروكون حتى ييأس أولو الألباب من عودة العدل والرشد إلى الأرض . فجاء صدر السورة مبينا أن الإمهال لا يعنى الإهمال ، وأن إرخاء الحبل للمجرمين لا يعنى إفلاتهم من العقوبة ، تنزه الله عن ذلك . وكما وجب تسبيح الله بعد التدبر فى أحوال الناس على ما رأيت ، وجب تسبيحه بعد التدبر فى نظام الكون نفسه . ص _199
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٩٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي