أزمة التدين كان المرتقب ـ وتلك مكانة الدين وحاجة الناس إليه ـ أن تفيض الأمم إلى ساحته ، وأن تهرع إلى مثابته ، وأن يستريح العامة والخاصة إلى كنفه . غير أننا نلحظ ـ آسفين ـ أن بنيان الإيمان هزته زلازل عنيفة . وأن العصور الأخيرة أقبلت ، وشعوب غفيرة خواء الأفئدة منه ضعيفة الانقياد إليه . ولهذه الحال علل نجملها فيما يأتى : 1- رواج العملة الزائفة فى بيئات التدين ، واستطاعة كثير من الماكرين أن يستخفى وراء مراسم الدين وهو فارغ الباطن من حقيقته . ولقد كنت أحس أحيانا أن كلمة " الله " فى هذه البيئات ـ هى آخر كلمة تذكر ويقصد بها مدلولها ، وأن أغلب المنتمين إلى الدين يدارون عاهات نفسية وعقلية ، أو يعوضون نقصا ماديا أو أدبيا . أما الدخول فى الدين على أنه التزام إنسان سوي بفرائض جليلة ، وأعمال عظيمة فذاك ما لا يحسنون ، بل مالا يطيقون . الصبى يتظاهر بصمت الوقار ، فهل صمته دين ؟. والمحروم يتظاهر بالزهد ، فهل زهده عفة ؟.. والهياب توجل من المجتمعات فهل انسحابه عزلة ؟ الواقع أن كثيرا من أدعياء التدين يغطون مسالكهم الناقصة بعناوين دينية ، ويسلكون ميادين العبادة والتقوى وهم أبعد خلق الله عن تلك المعانى الطاهرة . وقد لاحظ الأذكياء من قديم الزمان ذلك التناقض المثير ، ونددوا به ، وحملوا أقسى الحملات على أصحابه ... إلا أن الحملة على التدين المصطنع شىء آخر غير الحملة على الدين الحق . قال أبو العلاء ـ يصف مقترفى الرذائل الذين يدعون الناس إلى الله -: دعوا وما فيهمو زاك ولا أحد يخشى الإله ، فكانوا أكلبا نبحا وليس عندهمو دين ولا نسك فلا تغرك أيد تحمل السبحا وكم شيوخ غدوا بيضا مفارقهم يسبحون وباتوا فى الخنا سبحا لو تعقل الأرض ودت أنها صفرت منهم فلم ير فيها ناظر شبحا ص _193
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٨٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٨٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي