وبذلك أصبح مجال " العلم الحديث " هو التنافس على تكثير مصادر الشر حتى إذا أفزعته سعى للنجاة منها !!... وزاد الإنسان ـ عن طريق هذه المعرفة الشريرة ـ فى اختراع وسائل الهدم والإبادة أكثر من اختراعه وسائل الراحة والصيانة للجنس البشرى . وليس ما اخترعه من وسائل الهدم والتدمير أكثر فقط من وسائل البناء ، والراحة ، والصيانة . بل إن ما أنفقه على تلك المخترعات الهدامة يزيد أضعافا مضاعفة على ما ينفقه فى الحياة المدنية ورخائها المنشود للأفراد والمجتمعات . ولهذه النفقات المضاعفة على وسائل الهدم ، القليلة فى ميدان البناء انخفض مستوى المعيشة . وظهر عندئذ العامل الاقتصادى فى الحياة المدنية الحديثة ذا أثر قوى فى توجيه سياسة الشعوب ، وذا سلطان واسع على اتجاه الأفراد ، وعلى التحكم فى ميولهم وحرياتهم . ومن ثم أصبح سعى الإنسان المعاصر يكاد يكون مركزا فى توفير لقمة العيش ، له ولأسرته . ومن هنا أيضا خفت القيم المثالية والخلقية فى نفسه ، لأنه أصبح يتخذ من لقمة العيش ميزانا تقديريا . للسلوك العملى فى الحياة " . ثم قال : ".. تلك نتيجة " العلم الحديث " يدمر ولا يبنى ، ويجيع ولا يشبع ، ويسترق ولا يعتق . وكما خلق الإنسان المعاصر الآلة الصماء ، أخرس فى دنياه الإنسان المتكلم !! وكما حرك الآلة فى غير وعى ، أصاب الإنسان الكامن فيه بفقدان الوعى . فذبلت مواهبه بل ذابت خصائصه . ولم يصب العلم الحديث الإنسان بسلب خصيصته العظمى ، إلا لأن هذا العلم اتجه إلى خلق وسائل الشر أكثر من اتجاهه إلى إيجاد وسائل الخير . ولم يكن ذاك ، إلا لأن الإنسان المعاصر عبده من دون الله ، ووضعه فى الأرض مكان إله السماء ، واستغنى بمخترعاته عن الاستعانة بالله ، وخدع نفسه بأنه أصبح رب هذه الأرض ، لأنه يملك علم ما فى الأرض ، وكذا علم ما فى السماء ... " أ. هـ . والويل للعالم أجمع من عقبى هذا الغرور . * * * ص _192
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٨٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٨٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي