أرأيت هذه الألوف المؤلفة من العوام المتواكلين ، الذين يجرون أقدامهم على الأرض فى كسل واسترخاء ، وينظرون إلى السماء فى بلاهة وغباء ؟ هل أولئك الموتى هم الذين يقال لهم : (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) ؟ إن سوق الآية هنا خطأ . ومجالها الوحيد الذى تعمل فيه، هو بين قوم انتشوا من الحياة الدنيا حتى سكروا. قوم أبطرهم الغنى ، وأغواهم التشبع ، وحجب أبصارهم عن الحقائق العليا ، فهم مشغولون بحاضرهم عن أخرتهم ، مذهولون بأنفسهم عن ربهم . إن الآية إنقاذ لقوم يكادون يغرقون فى النعيم . فكيف توجه لأقوام يكادون يهلكون عطشا إلى ضرورات الحياة الدنيا ؟!! * * * ومُصاب الإسلام فى أعصار كثيرة ، وفى هذا العصر خاصة ، يجىء من الدعاة الذين يعجزون عن الموازنة بين شتى تعاليمه . إما لشلل فى مداركهم يمنعهم من الاتزان و إحسان الفهم والاقتباس والتوجيه ، أو لنقص فى ثروتهم العلمية ، فهم يحفظون شيئا وتغيب عنهم أشياء . ومنذ بضع مئات من السنين سقط المجتمع الإسلامى كله فريسة لعصابات من المتصوفة ، هونت لديه العمل للدنيا باسم الإقبال على الآخرة . فكانت عُقبى هذا التوجيه الضال دمارا أصاب المسلمين فى كيانهم العلمى والعسكرى والسياسى . إن الإقبال على الآخرة حق . ومن ذا الذى يجرؤ على تهوين الآخرة أو يغض من الاستعداد لها ؟؟ غير أن الطريق إلى ذلك ليس بالانصراف عن الدنيا ـ كما يفهم الكسالى وأهل البلادة ـ بل بامتلاك الدنيا وتسخيرها لله . إن أى تاجر مسلم على عهد رسول الله كان كأى تاجر وثنى أو نصرانى أو يهودى نشاطا وذكاء وضربا فى الأرض وبصرا بالسوق وطلبا للربح . ص _160
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٥٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٥٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي