" سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار" ، " ادفن نفسك فى أرض الخمول ".. إلخ فكرهت هذا الكلام ، وأنكرت سياقه . إن الجملة الأولى تقال لفرد من الناس ملكه جنون القوة ، واستحوذ عليه الاعتداد بنفسه ، فبنى خطته على أنه إذا أراد فعل ، وإذا عزم فعلى المردة والأملاك جميعا أن يذعنوا له . ومن ثم فهو لا يتصور أن يردع همه أو يغلبه أحد فى الأرض والسماء على أمره. هذه الكلمة حق داخل هذا النطاق وحده . وهى ـ خارج هذا النطاق ـ لا عمل لها ولا مكان . ولذلك أنكرت أن تجرى على لسان خطيب فى مجتمعنا الذى تجتاحه أزمات متعاقبة من ضعف الهمم وخور العزيمة .. وكذلك كلمة (ادفن نفسك) إنها لمغرور يريد أن ينضج قبل أوانه ، ولمفتون بحب الظهور ، ينخدع بالقشر عن اللب . وليس لها مكان فى أمة ألح عليها العجز ، فهى ما تنهض حتى تتعثر . وسوء الاستشهاد كما يقع فى هذه الحكم المجلوبة كرها ، يقع فى كتاب الله وأحاديث الرسول . فترى بليد الفهم من هؤلاء يجىء بالأثر ، هو فى نفسه حق ، ولكنه فيما ضُرب له وقُص من أجله بعيد بعيد . وعندى أن هذا ضرب من تحريف الكلم عن مواضعه . أرأيت إذا انطلق رجل طيب أمين ، إلى قوم أغرار يحرص على وعظهم ، ويتعشق هدايتهم ، أفيليق أن تثنيه عن مراده بقول الله : (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ..)؟ إن سوق الآية هنا خطأ ، فمجال الآية الوحيد ، هو المجال الفذ الذى نزلت فيه ، أعنى تسلية الداعى الذى تعب ونصب وهو يحاول إرشاد شخص عنيد دون جدوى. ص _159
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٥٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٥٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي