والذين يقولون: إن هناك غنى عن الدين هم فى الواقع أقوام لا يؤمنون بالله ، ولا يصدقون بلقائه بعد الممات ، ولا يتصورون قيامه جل شأنه على نفوسهم وأعمالهم فى هذه الحياة . وقد تمزق على شفاههم كلمات : " الله " ، " الفضيلة " ، " المثل العليا " دون أن يكون لهذه الكلمات مدلول حقيقى فى أنفسهم . إنه نوع من الشقشقة الفارغة ، ليس وراءها جد فى الصلة بالله ، والأخذ عنه وتحكيم شرعه ، والتهيؤ لحسابه فى يوم الدين . وقد مرت بالعالم أعصار طوال ، ليس من بينها عصر خفت فيه حاجته إلى دعوة الله ، وصوت الوحى ، لكن هذا العصر الذى نعيش فيه هو أشد العصور فقرا إلى الاتصال بالسماء ، والانعطاف إلى الدين ، والتوقير لكلمات الله . ذلك أن الرقى العقلى المحض الذى بلغته الإنسانية يجعل مستقبلها على حافة الهاوية ، إن لم يقترن هذا الرقى باكتمال روحى معتمد على الله ورسله . إن الذكاء الحاد فى الرجل الخبيث سلاح شر ، وأداة فتك . وما يعيب أحد الذكاء ، وإنما يعيب النفس الرديئة التى تسخره فى الأثام . ونحن الآن فى فترة من تاريخ الدنيا يظن الإنسان فيها أنه امتلك الفضاء ، وأوتى مفاتحه ، فهل ذلك بشير خير؟ كلا . إن الجفاف الروحى ، والانقطاع الرهيب عن الله رب العالمين ، والصدود الغريب عن تراث النبيين ، وغلبة الأثرة والجشع على الأقوياء ، وسيادة المنطق المادى فى كل شئ ، إن هذا نذير شؤم. وأى تقدم يحرزه العلم فى تلك الميادين لا يبعث على التفاؤل ، ما لم يصحبه عود سريع إلى الله ، وإعزاز لأمره ، وإعلاء لشرعه . * * * إننا ـ مع احترامنا البالغ للعقل الإنسانى ، والضمير الإنسانى ـ لا نرى فيهما غناء عن كلام الله ، وسنن المرسلين . ذلك أن هناك معارف تتصل بذات الله ، وما ينبغى له وما كلف به عباده من فروض ، لا مجال لتلقيها إلا من منبىء عن الله ، موثوق بأخباره . وأعرف أن بعض الناس يزهد فى معانى العقيدة ، وضروب العبادة . ص _020
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي