قال : نشدتك بالله... الثوب الذى اتزرتُ به هو ثوبك ؟ قال : اللهم نعم . فقال سلمان رضى الله عنه : أما الآن … فقل نسمع . * * * وقد عجبنا من هذا الكلام المنسوب للحسن البصرى ، وتدبرنا طويلا لنعرف بواعثه ، فرأينا أن " الحسن " جاء فى أعقاب فتن مُدلهمة قسمت المسلمين طوائف يضرب بعضها عنق بعض ، وأن هذه الفتوق فى كيان الدولة الإسلامية يخشى ـ لو بقيت ـ أن تطيح بالإسلام حكومة وشعبا ، وأن انصراف الناس إلى حديثها ومرائها كاد ينسيهم روح الإيمان ، وشعائر التقوى . لذلك اتجه الرجل إلى جمع العامة على صلاح القلوب ورقابة الآخرة ، مؤثرا أن يطمئن الحاكم من ناحيته بترك الكلام فى سيرته وترك التعرض لسياسته ، راجيا بذلك أن يدعه الحاكم يعلم الناس الدين ويبصرهم بشرائعه وأحكامه . ونحن ـ من التجارب التى أفدناها ـ نعرف موقف " الحسن البصرى" على حقيقته ، ونحب أن ننصف الرجل . فقد جاء فى أعقاب الفتنة الكبرى ، وبدأ نشاطه الدينى فى ظروف صعبة . جاء بعد هزيمة " على بن أبى طالب " المؤيد من جمهرة الأمة ، وحامل لواء الحق فى ذلكم الصراع الأسيف . ولم تكن هزيمة أمير المؤمنين محدودة النتائج ، إذ آل بعده الأمر إلى قلة ليست له بأهل ، كما أصيبت القيم الدينية نفسها إصابة جسيمة ، وبدا للناس أن المثل العليا لا مكان لها فى ميادين الحياة ، وأن الالتحاق بالركب السائر لن يستطيعه إلا من يفر من مقتضيات الإيمان والخلق . وعلاج هذه الحال المنكرة وقع عبؤه على أمثال الحسن البصرى من العلماء الذين حرصوا على صبغ المجتمع العام بالتعاليم الإسلامية ، وتمسيك الأمة بمُثلها كلها ، وغرس الوفاء للحق فى حاضرها ومستقبلها ... على أن يتحروا نهجا من التربية ص _148
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٤١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٤١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي