وفتحوا ولم يُخربوا ، ص _134
وتسلطوا فساسوا بالعدل ، وواسوا بالحق ، وخلطوا الأمم بعضها ببعض فى أخوة الإسلام التى لا تميز بين الأقوام والألوان والأوطان ، وذاع فى الأرض عد لهم ، وشاعت بين الناس سيرتهم ، فسالم من سالم ، وحارب من حارب ، قوما أصحاب شريعة من العدل والرحمة ، دعوتهم الأخوة وسيرتهم مكارم الأخلاق . قوما بيوتهم مساجد ورحالهم معابد يحاربون على شريعة ويسالمون على شريعة . ما الذى يسر للمسلمين الفتح ، ونشر سلطانهم فى المشرق والمغرب فى سنين قليلة ؟ الإيمان الذى ملأ قلوبهم فى مبدأ سيرهم ونهايته وصحبهم من " بدر" إلى" بلاط الشهداء" وحالفهم مشرقين ومغربين وهازمين ومهزومين ، والثقة بوعد الله فى فتح الأرض ، والسيطرة عليها بالحق والعدل . يسر لهم الإيمان واليقين كل عسير ، وذلل لهم كل صعب ، وأصغر لهم كل كبير ، وجمع كلمتهم وقلوبهم على الجهاد فى سبيل الله والصبر على ما يلقون ، بل حبب إليهم لقاء الموت راضين مستبشرين . وكذلك يسر لهم الفتح أنهم ساروا إلى الأمم على شريعة جامعة وقانون محكم ، لا يعتدون ، ولا يبغون ، ولا ينقضون العهد ، ولا يخفرون الذمة، "تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم " . وأنهم جماعة نظام ، وجند طاعة فى السراء والضراء ، والشدة والرخاء ، والحرب والسلم . وأنهم لم يسيروا فى الأرض ابتغاء المال والملك والسلطان والجبروت ، ولكن دعاة دين عظيم ، وشرع قويم ، وخلق كريم ، ورسل عدل ورحمة ، وأخوة ومواساة شعارهم تلك الآية : (إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) . عباد زهاد ، شعارهم الآذان ، وحداؤهم القرآن ، وما رأى الناس جيوشا من العباد قبلهم سارت للدعوة إلى الحق ، وتمكين عدل الله فى الأرض . بهذا طار ذكرهم ، وانتشر صيتهم ، لقد أخرجوا عبادة الله من الصوامع المنعزلة إلى أرض الله الواسعة . وأنهم سيطروا فأزالوا سلطان الجبارين عن الضعفاء والمساكين ، وأفنوا الناس على ما تعمله أيديهم