هذا وليُعلم أن الأئمة كانوا يحرصون على علو الصفة أكثر من حرصهم على علو القرب ، فكانوا يحرصون على سماع الرواية التي هي أعلى في صحتها وفي نظافة إسنادها ، أكثر من حرص المتأخرين على سماع الرواية التي هي أعلى بأقلية عدد رواتها ؛ روى أبو نعيم في (ذكر أخبار أصبهان) (2/220) عن إسحاق بن بشير الرازي قال : قال ابن المبارك : (ليس جودة الحديث في قرب الإسناد ، ولكن جودة الحديث صحة الرجال) .
وما أحسن ما قال العلامة المحقق الإمام ابن دقيق العيد في (الاقتراح) (ص301-303) في باب معرفة العالي والنازل ، إذ قال : (وقد عظُمت رغبةُ المتأخرين في طلب العلوِّ ، حتى كان ذلك سبباً لخلل كثير في الصنعة ، وقالوا : العلوُّ قرب من الله تعالى ، وهذا كلام يحتاج إلى تحقيق وبحث .
وقال بعض الزُّهاد : طلب العلوِّ من زينة الدنيا ، وهذا كلام واقع ، وهو الغالب على الطَّالبين لذلك .
ولا أعلم وجهاً جيِّداً لترجيح العلوّ ، إلا أنه أقرب إلى الصحة ، وقلة الخطأ ، فإن الطالبين يتفاوتون في الإتقان . والغالب عدم الإتقان في أبناء الزمان ، فإذا كثُرت الوسائط وقع من كل واسطة تساهلٌ ما كثرَ الخطأ والزَّلل ، وإذا قلت الوسائط قَلَّ .
فإن كان النزول فيه إتقان والعلو بضدِّه ، فلا تردُّدَ في أن النزول أولى .
ومن الناس من رجَّح النزول مطلقاً ، لأنه إذا كثرت الوسائط وجب كثرة البحث عن كل واسطة منها ، وإذا كثر البحث كثرت المشقة فعظُم الأجر ، وهذا ضعيف ، لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها ، ومراعاة المعنى المقصودِ من الرواية - وهو الصحة - أولى .
فقد ظهر أن قلة الوسائط أقربُ إلى الصحة ) .
وقال (ص308) : (ومن الناس من يعدُّ العلوَّ ، الإتقانَ والضبطَ ، وإن كان نازلاً في العدد ، وهذا علوٌّ معنويٌّ ، والأول صُوريٌّ ، ورعايةُ الثاني إذا تعارضا أولى ) .