وقد ثبت عن أحمد بن حنبل أنه كان لا يكتب الصلاة ؛ وأجابوا عن ذلك بأنه كان يصلي لفظاً، أو بأنه كان يتقيد بما سمع من شيخه فلا يزيد عليه .
والذي أختاره أن يتقيد الناسخ بالأصل الذي يعتمد عليه في النقل، أما إذا كتب لنفسه فهو مخيَّر ؛ وليس معنى هذا أن يفعل كما يفعل الكتاب "المجددون!!" في عصرنا، إذ يذكرون النبي باسمه "محمد" صلى الله عليه وسلم، ولا يكتبون الصلاة عليه ؛ بل يذكره بصفة النبوة أو الرسالة أو نحوهما، لان الله سبحانه نهانا عن مخاطبته باسمه: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) ، ولأن الله لم يذكره في القرآن إلا بصفة النبوة أو الرسالة، أو باسمه الكريم مقروناً بإحداهما .
وانظر شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح (ص174 - 175) وتدريب الرواي (ص153) وشرحنا على ألفية السيوطي (ص151) وشرحنا على مختصر علوم الحديث لابن كثير (ص158 - 159) وشرحنا على الترمذي 2: 354 - 355 ) .
صلعم :
رمز اتخذه بعض متأخري المسلمين بديلاً عن كلمة (صلى الله عليه وسلم )، وفيه سوء أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا بركة في مثل هذا النوع من الاختصار .
صناعة الحديث :
المراد بهذه العبارة علم الحديث ، مع ملاحظة اشتراط حصول قدر معتبَر من المشاركة - بالفعل - في الرواية والنقد والعناية بالمرويات(1)
(1) وهذه كلمة متعلقة بهذه العبارة كتبها حاجي خليفة في (مقدمة كشف الظنون) وهي في أحوال العلوم (1/41-42) ، أنقلها لك هنا لمناسبتها للمقام ، وإن كانت لا تخلو من نفَسٍ كلاميٍّ ؛ قال :
(المنظر الثالث : في أن العلم من جملة الصنائع لكنه أشرفها ؛ واعلم أنَّ الحذاقة والتفنن في العلم والاستيلاء عليه إنما هو بحصول الملكة في الإحاطة بمباديه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله .
وهذه الملكة هي غير الفهم ؛ والملكات كلها جسمانية ؛ والجسمانيات كلها محسوسة ؛ فتفتقر إلى التعليم ؛ فيكون صناعياً، ولذلك كان السند فيه معتبراً.
وجميع ما يسمونه علماً أو صناعة فهو عبارة عن ملكة نفسانية يقتدر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوعٍ ما ، مِن جهةٍ ما ، بحيث يؤدي إلى الغرض .
فالعلم إذاً ما اختص بالجنان واللسان ، والصناعة إذاً ما احتاجت إلى عمل بالبنان كالخياطة .
وقد قيل : إن المعلومات الحاصلة لصاحب هذه الملكة لا تخلو إما أن تحصل عن [في الأصل على] الاستقراء والتتبع، كالنحو وصنائع الفصاحة والبديع ، أو تحصل عن النظر والاستدلال، كعلم الكلام ؛ فالأول يسمى الصناعةَ ، والثاني العلمَ ؛ لكن الزمخشري قد عكس في أول (تفسيره) ، فسمى المعاني والبيان علماً ، وسمى الكلام صناعةً؛ فقال الطيبي : والحق أن كل علم مارسه الرجل حتى صار له حرفة سمي ذلك عندهم صنعة ، واستشهد عليه بما قاله الزمخشري في قوله سبحانه وتعالى (لبئس ما كانوا يصنعون) [يشير إلى قوله تعالى في سورة (المائدة) (63) {﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾} ].
والأَولى أن يقال : إن أريد العرف الخاص فلا ينضبط ، وإن أريد العرف العام المتبادر إلى الأذهان عند الإطلاق فالحق ما قيل أولاً، إذ لا يطلق على الأساكفة أنهم علماء ، ولا على صنائعهم أنها علوم ، وإن كانت أفعالهم لا تصدر إلا عن علم العلماء وحكمة الحكماء.
فالصنائع الحكم التي تفتقر إلى تصور الجنان وتمرين البنان ؛ فإن أُطلقت الصناعة على ما لا وجود له في الأعيان فبالمجاز على طريق التشيبه [قال هنا في الهامش: "كما أنهم يشبهون ألقاب البديع بالنقوش ويجعلون التأليف بينها كالتأليف بين بعض الأصباغ" ].
وأطلقوا على العالِم صانعاً ، للتنبيه على أنه أحكم علمَه وتفرس فيه.
واعلم أنَّ تعليم العلم من جملة الصنائع---).