ولقد ورد على لسان طائفة من المتقدمين وصفُ الإسناد - أو الحديث - بالحُسن ، بمعانٍ أخرى غير المعنى الاصطلاحي المشهور بين المتأخرين ؛ من تلك المعاني الحسن المعنوي ، ومنها الغرابة ، أو حسن الحديث لغرابته، وقد تكون الغرابة شديدة بالغة حد النكارة(1).
وهذه أمثلة من كلام المتقدمين لوصفهم الحديث أو إسناده بأنه (حسن) من غير أن يريدوا بذلك ما يريده المتأخرون من أنه محتج به، بل يريدون أحد هذه المعاني المشار إليها :
1- ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة عباس الدوري من (السير) (12/523) عن الأصم ، أنه قال فيه : (لم أر في مشايخي أحسن حديثاً منه) ؛ ثم قال الذهبي : (يُحتمل أنه أراد بـ " حُسن الحديث " : الإتقان ، أو أنه يتبع المتون المليحة ، فيرويها ، أو أنه أراد علو الإسناد ، أو نظافة الإسناد ، وتركه رواية الشاذ والمنكر ، والمنسوخ ، ونحو ذلك ؛ فهذه أمور تقتضي للمحدث إذا لازمها أن يقال : ما أحسن حديثه).
2- روى الخطيب في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (2/100) تحت هذه الترجمة (استحباب رواية المشاهير والصدوف عن الغرائب والمناكير) والسمعاني في (أدب الإملاء والاستملاء) (ص59) عن إبراهيم بن يزيد النخعي، أنه قال : (كانوا يكرهون إذا اجتمعوا، أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده).
(1) فأصل تحسين الحديث أو وصفه بالحسْن هو استحسانه ؛ والحديث يستحسن إما لقوة سنده ، أو لحسن معناه، أو لحسن سنده ، ومرادي هنا بحسن السند علوه المطلق أو النسبي ، واشتماله على اللطائف ، أو غرابته المطلقة أو النسبية ، أو اشتماله على بعض اللطائف السندية ، أو وجود عدد من الأئمة في طبقاته ، أو نحو ذلك.