تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاما ما عدا هذا [أي الصنف المذكور] فإننا نحتاج إلى الترجيح ؛ فقد يترجح عندنا استقامة رواية الرجل باحتجاج البخاري به في "صحيحه" لظهور أن البخاري إنما احتج به بعد أن تتبع أحاديثه وسبرها وتبين له استقامتها ، وقد علمنا مكانة البخاري وسعة اطلاعه ونفوذ نظره وشدة احتياطه في "صحيحه"(1)

(1) قلت : من أوضح مثال على ذلك ما ذكره العلامة المعلمي أيضاً في كتابه (الأنوار الكاشفة) (ص261) في الكلام على حال عكرمة عند الشيخين ، إذ قال متعقباً من افترى : (أقول : ترجمة عكرمة في "فتح الباري" فليراجعها من أحب ؛ أما البخاري فكان الميزان بيده، لأنه كان يعرف عامة ما صح عن عكرمة أنه حدَّثَ به، فاعتبرَ حديثَه بعضَه ببعضٍ من رواية أصحابه كلهم فلم يجد تناقضاً ولا تعارضاً ولا اختلافاً لا يقع مثلُه في أحاديث الثقات، ثم اعتبَرَ أحاديث عكرمة عن ابن عباس وغيره ، بأحاديث الثقات عنهم ، فوجدها يصدِّق بعضُها بعضاً ، إلا أن ينفرد بعضهم بشيء له شاهد في القرآن ، أو من حديث صحابي آخر ؛ فتيبن للبخاري أنه ثقة .

ثم تأمَّلَ ما يصح من كلام من تكَلم فيه فلم يجد حجةً تنافي ما تبين له) .

ثم قال متعقباً قول الضال أبي رية : (فابن جريج الطبري يثق به [يعني بعكرمة] كل الثقة، ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه) :

(أقول : نعم ، يثق به ابن جرير، لكن ليس روايته عنه في تفسيره وتاريخه بدليل على ذلك، فإنه كثيراً ما يروي فيهما عمن ليس بثقة عنده ولا عند غيره ، لأنه لم يلتزم بالصحة).

ثم قال متعقباً قوله (ومسلم ترجح عنده كذبه فلم يرو إلا حديثاً واحداً في الحج، ولم يعتمد فيه عليه وحده ، وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير) :

(أقول : كلمة "كذبه" لا وجه لها ، ويردّها ما بعدها ، فإن من أستقر الحكم عليه بأنه متهم بالكذب لا يُتَقوى بروايته أصلاً ولا سيما في الصحيح ، لكن لعل مسلماً لم يتجشم ما تجشم البخاري من تتبع حديث عكرمة واعتباره، فلم يتبين له ما تبين للبخاري، فوقف عن الاحتجاج بعكرمة) ؛ انتهى ، وهو تنبيه نفيس يحتاج إلى مثله كل راغب في تحقيق أصول هذا العلم العظيم .

لسان المحدثين · الصفحة ٥٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ٥٥١