وقال ابن حجر في (النكت) (1/506) بعد كلام له : (وأما ابن عبد البر فلا فرق عنده بين المسند والمرفوع مطلقاً فيلزم على قوله أن يتحد(1) المرسل والمسند ، وهو مخالف للمستفيض من عمل أئمة الحديث في مقابلتهم بين المرسل والمسند ، فيقولون : أسنده فلان وأرسله فلان(2) .
(1) أي أحياناً .
(2) قلت : هذا فيه نظر فابن عبد البر أيضاً يقابل بين المرسل والمسند ، فقد قال في خطبة (التمهيد) (1/292 - موسوعة شروح الموطأ) : (فإني رأيت كل من قصد إلى تخريج ما في (موطأ مالك بن أنس) رحمه الله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد بزعمه إلى المسند ، وأضرب عن المنقطع والمرسل ؛ وتأملت ذلك في كل ما انتهى إليَّ مما جُمع في سائر البلدان وأُلِّف على اختلاف الأزمان فلم أر جامعيه وَقفوا عند ما شرطوه ولا سلم لهم في ذلك ما أمَّلوه ، بل أدخلوا من المنقطع شيئاً في باب المتصل ، وأتوا بالمرسل مع المسنَد) .
ثم قال : (وأصل مذهب مالك رحمه الله والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل كما يجب بالمسند سواء).
ثم قال (1/305) : (والروايات في مرفوعات "الموطأ" متقاربة في النقص والزيادة ؛ وأما اختلاف رواته في الإسناد والإرسال والقطع والاتصال----) إلخ .
ثم قال (1/307) : (باب معرفة المرسل والمسند والمنقطع والمتصل والموقوف ومعنى التدليس : هذه أسماء اصطلاحية وألقاب اتفق الجميع عليها وأنا ذاكر في هذا الباب معانيها إن شاء الله).
ثم قال (1/312) : (فأما المرسل فإن هذا الاسم أوقعوه بإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم----؛ وكذلك من دون هؤلاء مثل سعيد بن المسيب و----، ومن كان مثلهم من سائر التابعين الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم ، فهذا هو المرسل عند أهل العلم؛ ومثله أيضاً مما يجرى مجراه عند بعض أهل العلم مرسل مَن دون هؤلاء ، مثل حديث ابن شهاب وقتادة وأبي حازم ويحيى بن سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يسمونه مرسلاً كمرسل كبار التابعين ؛ وقال آخرون: حديث هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمى منقطعاً لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر روايتهم عن التابعين ، فما ذكروه عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمى منقطعاً ) .
ثم قال : (المنقطع عندي كل ما لا يتصل ، سواء كان يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره ؛ وأما المسند فهو ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ؛ فالمتصل من المسند مثل مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ----؛ والمنقطع من المسند مثل مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن عبد الرحمن بن قاسم عن عائشه عن النبي صلى الله عليه وسلم ---- ؛ فهذا وما كان مثلَه مسندٌ ، لأنه أُسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورفع إليه ، وهو مع ذلك منقطع ، لأن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم لم يسمعا من عائشة----.
وأما المتصل جملة فمثل : مالك عن نافع وعبدالله بن دينار عن ابن عمر ، مرفوعاً أو موقوفاً).
ثم قال (1/315) : (والانقطاعُ يَدخلُ المرفوعَ وغيرَ المرفوعِ ؛ وقد ذهب قوم إلى أن المرفوع كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم متصلاً كان أو مقطوعاً [لاحظْ أنه استعمل المقطوع هنا بمعنى المنقطع] ، وأن المسند لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ففرقوا بين المرفوع والمسند بأن المسند هو الذي لا يدخله انقطاع ؛ وقال آخرون : المرفوع والمسند سواء وهما شيء واحد والانقطاع يدخل عليهما جميعاً والاتصال).
انتهى ما أردت جكايته من كلامه ؛ وأريد أن أشير هنا إلى مسألتين مما تقدم:
الأولى : يظهر من سياق كلام ابن عبدالبر لتعريف المسند وتعريف المرسل ومن أمثلته للمسند أنه لا يسمي مرسل التابعي مسنداً ، ولكن يسمي ما أرسله بعض صغار التابعين عن بعض الصحابة وهو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنداً ، كما يسمي المرفوع المتصل مسنداً.
الثانية : ابن عبد البر قد يسمي المنقطع مقطوعاً.