تنبيه آخر : قد يريد الناقد من القدماء بقوله في الراوي : مجهول أو لم أعرفه أو لا أعرفه أنه لا يعرف حاله ، وإن كان عرف عينه فلا يلزم أن يراد بنحو هذه اللفظة جهالة العين حيثما وجدت . وانظر (مجهول) .
لا أعلم إلا خيراً :
قولهم (لا أعلم - أو لا نعلم - إلا خيراً) من ألفاظ التعديل عند علماء الجرح والتعديل ، وإن اختُلف في تعيين مرتبتها ، والظاهر أنها تعني في الأصل التوثيق المطلق ؛ ومما يرفع من مكانة هذه الكلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها في زوجه عائشة وفي صفوان بن المعطل ، وقالها أسامة بن زيد ، وأم المؤمنين زينب بنت جحش في عائشة أيضاً ، رضي الله عنهم جميعاً(1) .
قال عبد الله بن يوسف الجديع في (التحرير) (1/576-578 ) : (أما عبارة " لا أعلم به بأساً " ، فهذه وقعت في كلام أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة ، منهم : صالح بن نبهان مولى التوأمة قبل أن يختلط ، وعبد الله بن شريك ، والمختار بن فلفل ، وداود بن صالح التمار، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وعمير بن سعيد النخعي ، وقيس بن طلق ؛ ولم يقلها في راو من هؤلاء إلا وهو إما ثقة وإما صدوق ، ليس فيهم من ينزل عن ذلك .
وشبيه به استعمال من جرت في قوله من سواه من النقاد ، كالذهبي من المتأخرين ، فإنه يقولها في رواة من المستورين أو من فوقهم.
ولو جاريتَ مجردَ دلالة اللفظ اللغوية ، لوجدت بينها وبين " لا بأس به " فرقاً ، وذلك شبيه بما حدث به عبد الله بن عون ، قال : قال ابن سيرين لرجل في شيء سأله عنه : " لا أعلم به بأساً " ، ثم قال له : " إني لم أقل لك : لا بأس به ، إنما قلت : لا أعلم به بأساً " .
قلت : لكن حين تبين لنا المراد بالتعديل بها في حق النقلة ، وعلمنا أن الناقد قد عنى التعديل ، لم يؤثر ما للفظ اللغوي من دلالة .
(1) ينظر (صحيح مسلم) / كتاب التوبة / باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف / حديث 56 ص 2133-2134 و2136 .