هذه الدعاوى كلها فيها نظر ، وأما ما نقله الذهبي من كلام معزوٍّ للبخاري فأراه غير ثابت عنه ، بل هو منكر عنه ، ولقد انتهى التحقيق إلى خلافه(1) ، فإليك ما يلي من النقول :
النقل الأول : قال المزي في (تهذيب الكمال ) في آخر ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق (تهذيب الكمال) (18/265) : ( قال الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي : بيّن مسلم جَرْحَهُ في صدْرِ كتابه ؛ وأما البخاري فلم يُنبّه من أمره على شيء ، فدل أنه عنده على الاحتمال ، لأنه قد قال في "التاريخ " : "كل من لم أبين فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال ، وإذا قلت : فيه نظر ، فلا يحتمل" ) .
النقل الثاني : قال المزي في (تهذيب الكمال) (19/416) : (قال ابن يربوع في عثمان بن عمر التيمي : "هو على أصل البخاري محتمل" ).
النقل الثالث : قال الترمذي ، وهو تلميذ البخاري وأعلم الناس به ، في (العلل الكبير) عقب نقلِه قول البخاري في حكيم بن جبير (لنا فيه نظر ) : (ولم يعزم فيه على شيء ) .
كذا فهم الترمذي عبارة شيخه ، أنه متردد في في حكيم بن جبير أو متوقف فيه ، والتردد لا يقع من البخاري أو غيره من العلماء في حق المتهمين أو المتروكين .
النقل الرابع : كان لابن عدي - وهو جِدُّ خبير بالبخاري - أكثر من تفسير لقول البخاري (فيه نظر )، ويظهر أن هذه التفاسير تعتمد على اختلاف سياق كلام البخاري وعلى القرائن الأخرى ، كما يأتي بيانه من كلام الشيخ حاتم العوني.
(1) وأنا لا أستبعد أن يكون الإمام الذهبي رحمه الله وهم في هذه العبارة ، وكأنه قالها من حفظه ، وكأنه قد انتقل ذهنه إلى معنى (منكر الحديث) عند البخاري؛ فوقع الوهم، وتبعه عليه كثير من العلماء ؛ والله أعلم.
وقد قال الذهبي في (الميزان) (1/6) : ( ونقل ابن القطان أن البخاري قال : كل من قلتُ فيه منكر الحديث فلا تحلّ الرواية عنه ).