وليس كل محدث فقيه ؛ فمن الناس من هو محدث وفقيه، ومنهم من هو محدث غير فقيه، وأما أن يوجدَ فَقِيهٌ غير محدث، فهذا لا يوجد في الواقع، إلا في حق رجل متهيء للفقه، ضابط لأصول الاستنباط وقواعده، وليس عنده في الحديث علم كافٍ، ولكنه يستعين ببعض أصحابه، أو غيرهم، من علماء الحديث.
وهذا الكلام تشهد لصحته بعض النصوص ؛ والواقع والتاريخ(1) يشهدان له أيضاً.
وأما أن يوجد فقيه غير محدث وهو لا يستعين بالمحدثين، فهذا لا يوجد إلا في الخيال، أو إلا في تقسيمات واصطلاحات أهل الرأي المعرضين عن السنة كلياً أو جزئياً، أو أن يراد بالفقه هنا الملَكة الفقهية، والاستعداد لاستنباط الأحكام من النصوص، عند الوقوف عليها!
وقد أسند الخطيب في (الجامع) (2/294-295) إلى داود بن علي قال : (من لم يعرف حديث رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بعد سماعه ولم يميز بين صحيحه وسقيمه فليس بعالم).
وأسند البيهقي في (المدخل إلى السنن الكبرى) (ص179) (برقم 187) إلى علي بن شقيق عن ابن المبارك، قال : (قيل له : متى يُفتي الرجل؟ قال : إذا كان عالماً بالأثر بصيراً بالرأي).
وأسند (برقم 188) إلى أبي قدامة قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : (إحفظ، لا يجوز أن يكون الرجل إماماً حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم).
وذكر هذا الأثر الأخير النووي في (تهذيب الأسماء واللغات) (1/284) وذكره مختصراً الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (1/330) و(السير) (9/195) وابن حجر في (التهذيب).
وفيما يلي فائدة جليلة تتعلق بما ذكرته من بطلان شروط أهل الرأي المنحرف في إطلاق اسم الفقيه؛ وهي درةٌ من درر شيخ الاسلام ، فتأملها جيداً فإنها جديرةٌ بالتأمل .
قال رحمه الله تعالى في (بيان الدليل على بطلان التحليل /تحقيق د. فيحان المطيري) (ص348-351)(2) :
(1) أعني بالتاريخ هنا تراجم العلماء .
(2) وهو في (الفتاوى الكبرى) (3/255 وما بعدها ) .