تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا، القتل أحسن."

فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال:

" هذا والله رأيي، والذي قمت به داعياً إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمه، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد منكر، ولا عملاً بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي، اللهم إني لا اقول هذا تزكية مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني"

فقالت أمه:

" إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسناً إن تقدمتني، وإن تقدمتك ففي نفسي، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك."

قال:

" جزاك الله يا أمه خيراً، فلا تدعي الدعاء لي قبل وبعد."

فقالت: لا أدعه أبداً، وأضافت:

" اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهمّ قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين"

فتناول يديها ليقبّلها فقالت:

" هذا وداع فلا تبعد. "

فقال لها:

" جئت مودعاً لأنّي أرى هذا آخر أيامي من الدنيا "

قالت:

" امض على بصيرتك وادن مني حتى أودّعك."

لمحات عابرة من حياة العبادلة · الصفحة ١٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لمحات عابرة من حياة العبادلةص ١٣٢