يشم مسكها من أي مكان في الحرم، رجل مل الحياة الفانية وزف إليه خبر موته ولم يعد نصب عينيه إلا الجنة ورحيقها.
وقد ذكر أن ابن الزبير في يوم استشهاده قال:
"ما أُراني اليوم إلا مقتولاً، لقد رأيت في ليلتي كأنَّ السماء فرجت لي، فدخلتها، فقد والله مللت الحياة وما فيها."
، ورجل آخر هو الحجاج بن يوسف الثقفي، رجل تفوح منه رائحة الدماء، ولم يعرف للكعبة قدرا فرماها بالمنجنيق ليهدمها ويهتك سترها وأستارها. رجل عاش للحياة وظن أنه لن يموت أبدا، وأن الخير في الدارين منوط بطاعتة العمياء لأولى الأمر حتى ولو دفع دينه ثمنا لذلك.
وترسم لنا كتب التاريخ هذه اللحظات النادرة في حياة البشر ومن خلالها يمكننا الحكم بنزاهة ووضوح أين كان الحق في هذا الصراع .. ؟
ولنقرأ معا هذا الحوار الأخير الذي دار بين ابن الزبير وأمه العظيمة السيدة أسماء وهو يودعها الوداع الأخير:
(بعد انتهاء موسم الحج نادى الحجاج في الناس أن يعودوا إلى بلادهم لأنه سيعود إلى ضرب البيت بالحجارة، وبالفعل بدأ يضرب الكعبة، وشدد على ابن الزبير، وتحرج موقفه وانفض عنه معظم أصحابه، ومنهم ابناه حمزة وخبيب، اللذان ذهبا إلى الحجاج وأخذا منه الأمان لنفسيهما. فلما رأى ذلك دخل على أمه فقال لها:
" يا أمه خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ " فقالت:
" أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامضى له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك لتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن