ومع إيحاء هذه الآية بأنه كان هناك في الجماعة المسلمة من تشده أواصر الدم والقرابة وجواذب المصلحة والصداقة , مما تعالجه هذه الآية في النفوس , وهي تضع ميزان الإيمان بهذا الحسم الجازم , والمفاضلة القاطعة . . إلا أنها في الوقت ذاته ترسم صورة لطائفة كانت قائمة كذلك في الجماعة المسلمة , ممن تجردوا وخلصوا ووصلوا إلى ذلك المقام .
وهذه الصورة هي أنسب ختام للسورة التي بدأت بتصوير رعاية الله وعنايته بهذه الأمة في واقعة المرأة الفقيرة التي سمع الله لها وهي تجادل رسوله صلى الله عليه وسلم في شأنها وشأن زوجها !
فالانقطاع لله الذي يرعى هذه الأمة مثل هذه الرعاية هو الاستجابة الطبيعية . والمفاضلة بين حزب الله وحزب الشيطان هي الأمر الذي لا ينبغي غيره للأمة التي اختارها الله للدور الكوني الذي كلفها إياه . (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 4133)
ثم بشر - سبحانه - من هم على الحق بأعظم البشارات فقال : ﴿ كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ .
أى : أثبت الله - تعالى - ذلك فى اللوح المحفوظ وقضاه ، وأراد وقوعه فى الوقت الذى يشاؤه .
فالمراد بالكتابة : القضاء والحكم . وعبر بالكتابة للمبالغة فى تحقق الوقوع .
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية ، أنه لما فتح الله - تعالى - للمؤمنين ما فتح من الأرض ، قال المؤمنون : إنا لنرجو أن يفتح الله لنا فارس والروم .
فقال بعض المنافقين : أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التى تغلبتم عليها ، والله إنهم لأكثر عددا وأشد بطشا ، من أن تظنوا فيهم ذلك ، فنزلت .
قال الآلوسى : ﴿ كَتَبَ الله ﴾ أى : أثبت فى اللوح المحفوظ ، أو قضى وحكم . . . وهذا التعبير جار مجرى القسم ، ولذا قال - سبحانه - : ﴿ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي ﴾ أى : بالحجة والسيف وما يجرى مجراه ، أو بأحدهما . . .
﴿ إِنَّ الله قَوِيٌّ ﴾ على نصر رسله وأوليائه ﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يغلبه غالب بل هو القاهر فوق عباده .
والمقصود بالآية الكريمة : تقرير سنة من سننه - تعالى - التى لا تتخلف ، وأن النصر سيكون حليفا لأوليائه ، فى الوقت الذى علمه وأراده .
وشيبه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ﴾ ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الجامعة لصفات المؤمنين الصادقين فقال : ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ ﴾ .
وقوله : ﴿ يُوَآدُّونَ ﴾ من الموادة بمعنى حصول المودة والمحبة .
أى : لا تجد - أيها الرسول الكريم - قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان ، يوالون ويحبون من حارب دين الله - تعالى - وأعرض عن هدى رسوله .
والمقصود من هذه الآي الكريمة النهى عن موالاة المنافقين وأشبهاهم ، وإنما جاءت بصيغة الخبر ، لأنه أقوى وآكد فى التنفير عن موالاة أعداء الله ، إذ الإتيان بصيغة الخبر تشعر بأن القوم قد امتثلوا لهذا النهى ، وأن الله - سبحانه - قد أخبر عنهم بذلك .
وافتتحت الآية بقوله : ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً ﴾ لأن هذا الافتتاح يثير شوق السامع لمعرفة هؤلاء القوم .
وقوله : ﴿ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ ﴾ تصريح بوجوب ترك هذه الموادة لمن حارب الله ورسوله ، مهما كانت درجة قرابة هذا المحارب .
أى : من شأن المؤمنين الصادقين أن يبتعدوا عن موالاة أعداء الله ورسوله ، ولو كاه هؤلاء الأعداء . ﴿ آبَآءَهُمْ ﴾ الذين أتوا إلى الحياة عن طريقهم ﴿ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ ﴾ الذين هم قطعة منهم . ﴿ أَوْ إِخْوَانَهُمْ ﴾ الذين تربطهم بهم رابطة الدم ﴿ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ التى ينتسبون إليها ، وذلك لأن قضية الإيمان يجب أن تقدم كل شىء .