أركان توحيد العبادة
توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة: هو إقرار الله بحقه الخالص، وهو مقتضى رضا العبد بالله رباً ... فالرضا بالله رباً: أن لا يتخذ رباً غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره، وينزل به حوائجه، قال تعالى: ﴿قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء﴾ [الأنعام: 164]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: سيداً وإلهاً، يعني فكيف أطلب رباً غيره وهو رب كل شيء؟ وقال في أول السورة: ﴿قل أغير الله أتخذ ولياً؟ فاطر السموات والأرض﴾ [الأنعام: 14]، يعني معبوداً وناصراً ومعيناً وملجئاً. وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها أي سورة الأنعام ﴿أفغير الله أبتغي حكماً؟ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ [الأنعام: 114]، أي أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه؟ وهذا كتابه سيد الأحكام، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه؟ وقد أنزله مفصلاً، مبيناً كافياً شافياً.
وكثير من الناس يرضى بالله رباً، ولا يبغي رباً سواه، لكنه لا يرضى به ولياً وناصراً وحده، بل يوالي من دونه أولياء، ظناً منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالتهم كموالاة خواص الملك؛ وهذا شرك.
وكثير من الناس يبتغي غيره حكماً، يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه ... بينما أركان التوحيد الثلاثة: أن لا يتخذ رباً سواه، ولا إلهاً، ولا غيره حكماً.
وإذن فتوحيد العبادة الذي هو العمل في أصل الدين لا يخرج عن ثلاثة معان هي:
- الحكم لله بلا شريك: قال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم﴾ [يوسف: 40]، والحكم هو خطاب الشارع إلى المكلفين بالاقتضاء والتخيير والوضع.
- الولاية لله بلا شريك: قال تعالى: ﴿أغير الله أتخذ ولياً﴾ [الأنعام: 15]، ﴿أم اتخذوا من دون الله أولياء فالله هو الولي﴾ [الشورى: 9]، ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ [المائدة: 55]، ﴿إن وليّي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ ... والولاية هي أن تتولى الله سبحانه وتوالي فيه عز وجل.
- النسك لله بلا شريك: قال سبحانه وتعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾، ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ ... إذا عرف هذا فالرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضياً بلا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾، فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليماً وهذه حقيقة الرضا بحكمه.
فالرضا بحكم الله هو الركن الركين في العقيدة ... والتحاكم إلى شريعة الله هو شرط العبودية الأول، والاحتكام إلى الكتاب والسنة ليس نافلة ولا تطوعاً إنما هو أصل الاعتقاد وصلب التوحيد ...
والتوحيد الذي هو الإقرار بتفرد الله بصفاته، والخلق والرزق والتدبير الكوني، دون الالتزام بمقتضى ذلك وهو اتباع حكم الله في كل شأن من شؤون الحياة ... لا ينفع صاحبه في النجاة يوم القيامة ولا يغني عنه شيئا، قال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا﴾.
فكما نتلقى من الله شعائر التعبد فنتعبده سبحانه وتعالى بما تعبدنا به من صلاة وصيام وزكاة وحج، كذلك نتلقى منه أمور حلالنا وحرامنا، أي الشريعة التي تحكم أمور حياتنا في الصغيرة والكبيرة سواء، لأن الله تعبدنا بتنفيذ شريعته كما تعبدنا بالصلاة والصوم والزكاة والحج، وكلها سواء.
وإذا أردنا تحقيق العبودية لله، فطريقنا إلى تحقيق عبوديتنا له سبحانه هو قبول شريعته عز وجل ورفض كل شريعة أخرى.
ولنعلم جميعاً أن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله، ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله ... ولكن هذه ليست قاعدة التوحيد، إنما قاعدة التوحيد أن قبول شرع الله وحده أياً كان، ورفض كل شرع غيره أياً كان، هو ذاته التوحيد وليس للتوحيد حقيقة سواه ... فمن أتى التوحيد على صفاته هذه وأركانه التي ذكرناها، فقد قام بحق الله عليه، وكان له عند الله النجاة من العذاب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟)، قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: (حق الله على العباد، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ... ) [رواه مسلم].
فمن أراد النجاة من عذاب الله فلا بد له من ترك الشرك، وإتيان التوحيد الذي عرّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه؛ "حق الله على العباد".