حقيقة الإسلام وجوهره
من خير أديان البرية ديناً ... الإسلام هو دين الرسل جميعاً، وإن اختلفت شرائعهم وتنوعت مناهجهم كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ ... والآيات في ذلك كثيرة والأحاديث، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات ديننا واحد).
ولهذا كانت الكتب السماوية المتواترة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قاطعة أن الله لا يقبل من أحد ديناً سوى الحنيفية وهي الإسلام العام، قال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وقال عز وجل: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص ... مأخوذ من قوله سبحانه: ﴿ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون، ورجلاً سلماً لرجل﴾ ... فلا بد في للإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذه حقيقة قولنا "لا إله إلا الله"، فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته، وقد قال تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾، وإذن فإن الإسلام لا يثبت إلا على ظهر التسليم والاستسلام.
والإنسان أمام طريقين لا ثالث لهما فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله ... فإفراد الله بالعبادة هو جوهر الإسلام وحقيقته، وهو المدلول العملي لشهادة أن "لا إله إلا الله" ... والتلقي في كيفية هذه العبادة عن رسول الله، هو حقيقة تصديقه فيما أخبر، وهو المدلول العملي لشهادة أن "محمداً رسول الله"، فدين الله مبنيّ على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو استحباب، وهذان الأصلان هما حقيقة قولنا أشهد أن "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله".
ولهذا لما جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد إنك لرسول الله، لم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: (فلِمَ لا تتبعوني؟)، قال: نخاف من يهود.
فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم، فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا كفاراً في الباطن، وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفاراً في الظاهر والباطن، وكذلك أبو طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد وأنشد عنه:
ولقد علمت بأن دين محمد
ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام، ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهراً وباطناً.
فالإسلام الذي نحرص عليه، ولا نرضى بغيره ديناً، ليس مجرد تصديق الرسول فيما أخبر، بل لا بد في الإسلام من تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر ... ذلك أن حقيقة الإسلام: توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله ورسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم.
وهذا أصل عظيم ينبغي معرفته لما قد لبس على الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك يتنافى مع الإسلام لا يحسبونها شركاً.
إن حقيقة الإسلام وجوهره: أن نعبد إلا الله، وأن لا نعبده إلا بما شرع.
حقيقة الإسلام؛ أن يستسلم العبد لرب العالمين، لا يستسلم لغيره.