تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزرائهم به، وتنفيرهم الناس عنه وتحذيرهم منه، كما كان الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه صلى الله عليه وسلم. فأما إن دعاهم إلى ذلك وقدح فيما هم عليه، فهناك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائب وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله. فهو غريب فى دينه لفساد أديانهم. غريب فى تمسكه بالسُّنَّة لتمسكهم بالبدع. غريب فى اعتقاده لفساد اعتقادهم. غريب فى صلاته لسوء صلاتهم.. ومع أن الاغتراب المعنوى هو أساس الامتياز ومناط الرفعة، فإن الغربة قد تكون حسية ومعنوية معا. فيكون النأى عن الأوطان مقارنا للعزلة عن الناس والاستيحاش من أحوالهم.. وأصحاب الهمم البعيدة يكرهون القرار حيث ولدوا. بل يمدون أبصارهم إلى أقطار الأرض البعيدة يعجبهم التطواف فى الآفاق فلا يستهويهم مكان إلا بمقدار ما يستطيعون فيه أداء رسالتهم وإراحة ضمائرهم. ومن ثم كانت الهجرة والارتحال شيمة أهل الصلاح والفضل فى كل عصر. وكانت هذه الخطوات الفساح توسيعا للدائرة التى تمنح لهم فى جنات النعيم، يوم يودعون هذه الدنيا ويرجعون إلى الله. عن عبد الله بن عمرو: توفى رجل بالمدينة ممن ولدوا فيها، فصلى عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: "ليته مات فى غير مولده ". فقال رجل: ولم يا رسول الله؟! فقال: "إن الرجل إذا مات غريبا قيس له من مولده إلى منقطع أثره فى الجنة". وفى رواية: وقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قبر رجل بالمدينة فقال : "يا له لو مات غريبا" ولو أن المسلمين فقهوا فضل هذه الغربة لكانوا قبل غيرهم من "الأوروبيين " أسبق إلى اكتشاف المجاهيل وأسرع إلى الانتشار فى أنحاء الدنيا وتعمير خرابها واستخراج كنوزها. ثم أداء رسالتهم العالمية فى ظل هذا النشاط الواسع. ص _217

ليس من الإسلام · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ليس من الإسلامص ٢١١