تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن المسلمين قعدوا فى ديارهم حتى غُزوا وذُلوا. وتغرب الأوروبيون فى قارات الأرض والأمم فسادوا وغزوا. ولما كانت الغربة انفراد المرء عن نظرائه وسبقه الصفوف التى يمشى فيها، فإن أسمى درجات الغربة ما دفع بصاحبه إلى الأمام وجعله يتقدم ويتقدم حتى ما يلحق غباره أو تُدرك آثاره، وحتى يخفى شخصه ووصفه على من يرمقونه من بعيد. تسترت من دهرى بظل جناحه فعينى ترى دهرى وليس يرانى فلو تسأل الأيام ما اسمى؟ لما درت وأين مكانى؟ ما عرفن مكانى ولكن هذا الغريب فى مكانه وزمانه، التارك للخاصة تزحف فى بطء وراء ميدانه. يرسل للناس من الأشعة الهادية والأنوار الكاشفة ما ينير لهم الطريق. فهى ليست غربة عزلة، ولكنها غربة رفعة!! وكم من غريب بين الناس بأحواله، وهممه، ومقاصده، وأهدافه، أثر وأعمق الأثر على من كان بينهم فعرفوه، أو من غاب فى أفقه عليهم فاكتشفوه. قال ابن القيم: "إن همة العارف جاثمة حول معروفه ـ أى الله ـ فهو غريب بين أبناء الآخرة فضلا عن أبناء الدنيا، كما أن طالب الآخرة غريب فى أبناء الدنيا". هذا الغريب فذ فى علمه لأن أفقه أرحب، وفقهه أعمق، وبصره أحد. فذ فى عاطفته لأن إشراق الحب الإلهى فى قلبه جعل مشاعره مهتاجة، وانفعلاته موصولة، ورحمته بالأقربين والأبعدين دافقة. فذ فى عباداته، فقد يكون العُبَّاد والزُهَّاد مشغولين بما يقدمون من طاعات، أما هو فله بالله شغل تجعل همته منصرفة إلى المعبود مع قيامه بحق العبادات المطلوبة. فذ فى سلوكه وأحكامه فإنه فى غربته لمحلقه يرى ما لا يشاهده غيره، ولذلك قلما تدرى حقيقة أقواله وأفعاله إلا بعد فترة قد يصل فيها المتخلفون إلى المرصد الذى وقف الغريب فيه يرقب الغيوب. إنها غيوب على سواء، أما هو فيرى ما لا يرون ويحكم بما لا يحكمون. رحم الله الغرباء، وآنس وحشتهم بفضله وعفوه! * * * *

ليس من الإسلام · الصفحة ٢١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ليس من الإسلامص ٢١٢