تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روى أنه لما خرج موسى هاربا من قوم فرعون على الحال التى ذكرها الله ـ وهو وحيد غريب خائف جائع ـ قال: يا رب.. وحيد مريض غريب!! فقيل له: "يا موسى.. الوحيد من ليس له مثلى أنيس. والمريض من ليس له مثلى طبيب. والغريب من ليس بينى وبينه معاملة". والحق أن الله إذا شرح صدر عبده بالإيمان جعله يستعذب فى سبيله المر، فإذا السجن خلوة، وإذا النفى سياحة، وإذا القتل شهادة؟ ومن ثم فهو فى غربته عن الناس وصلته بالله رجل فذ، لكن فى ثوبه أمة مجتمع: كأنه، وهو فرد، من جلالته فى عسكر حين تلقاه وفى حشم * * * والمرء ـ بطبيعته ـ يحب الأنس بغيره من البشر، فالتجمع غريزة إنسانية لا ريب فيها. فإذا سما مسلكه بين المسفين، وعظمت همته بين الساقطين واستوحش بذلك من الناس. احتاج إلى شعور من الألفة والطمأنينة يستعيض به عما فقد. وعندئذ يكون ذكر الله عز وجل سلوته فى عزلته، وأنيسه فى غربته، والواحة التى يستريح إليها فى القفار المترامية. من أهواء العوام وسفالة الحتهام. وكذلك تكون سُنَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأطوار سيرته وحسن التأسى به، بشاشة المغترب ومثابة يتردد عليها بين حين والحين، وليقتبس من أنوارها ويتنفس فى رياضها، فلا يألم بعدها من وحدته ولا يضيق بُزلته. وقد جعل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإقبال على الله فى أيام الفتن معادلا لصحبته فى حياته واللحاق به فى مدينته فقال: "عبادة فى الهرج كهجرة إلى". وكيف ترجو المؤمن الصالح أن يقر قراره فى الدنيا وهو عنها عازف وحوله آلاف العبيد الهائمين؟ قال ابن القيم: "فإذا أراد المؤمن الذى رزقه الله بصيرة فى دينه، وفقها فى سنة رسوله، وفهما فى كتابه، والذى أراه الله ما الناس فيه من الباع والأهواء والضلالات، وتنكبهم عن الصراط الذى كان عليه رسول الله وأصحابه. ص _216

ليس من الإسلام · الصفحة ٢١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ليس من الإسلامص ٢١٠