وهم يستغلون إباحة الإسلام للطيبات، فيتوسعون فى انتهابها، ويبلغون فى الإسراف حدا لا يصل إليه أتباع الديانات الأخرى. وقد حضرت أحفالا، أقامها أصحابها لمناسبات شتى، ابتهاجا بمولود، أو استقبالا لموظف، أو احتفاء بصديق، أو فرحا بزواج. فكان الإفراط البين طابعا عاما لهذه الأحفال كلها، سواء فى مصر، أو الشام، أو الحجاز. ويمكن القول بأن الأجانب أدنى منا إلى الرشد فى هذه الأمور. بل هم أدنى إلى الرشد فى أخذهم من شهوات الدنيا، ما حل منها وما حرم السكارى عندنا يكرعون من الرجس حتى يرتموا على الأرض، والسكارى منهم يتجرعون القليل الذى يحفظ توازنهم. المرأة الأجنبية تكتفى بملبس رخيص أنيق، والمرأة المسلمة لا ترضى حتى تضع على بدنها أغلى الأنسجة. * * * * وهذه النقائض تقع فى عصر سقطت فيه دولة الإسلام، وذهبت ريحه، وديست أرضه، ومشى الغاصبون فى أرجائها يزأرون زئير الآساد الكاسرة القاهرة. وكان حريا بالمهزوم أن يصد عن المباحات الميسرة، إذا أقبل المنتصر عليها وعلى غيرها، يتشبع وينتشى. أما أن يعتدل المنتصر، ويفرط المنهزم، فهذه هى المأساة. فى الجاهلية الأولى كانت القبائل المنهزمة تدع الملذات التى ألفتها، حتى تدرك ما فاتها. فإذا نالت ثأرها ومحت ما تراه عازا لها.. عادت إلى ملذاتها القديمة. وشاعرها يقول: فساغ لى شراب وكنت قبلاً أكاد أغص بالماء الفرات وقد رأينا أبا سفيان ـ عقب هزيمة بدر ـ يقسم ألا يقرب امرأته، ولا يمس طيبا، حتى يمحو مصاب المشركين فى هذه المعركة، ولم تهدأ نفسه حتى أبر قسمه... وكان أولى بالمسلمين أن يتخففوا من أثقال التقاليد التى تجعل أفراحهم مباريات للنهم والرياء وغيرها من الرذائل المادية والمعنوية، تمشيا مع تعاليم دينهم، وبصرا بواقع أمرهم . ص _199
ليس من الإسلام · الصفحة ١٩٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي