وهذه التقاليد، خليط من المبتدعات والمعاصى. ومع شدة ما يلقى الناس منها، فهم يأخذون بها، أو يرون أنفسهم مكرهين على الأخذ بها. وقد رأيت من الفقراء المحتاجين إلى القوت، من يستدين ليقيم هذه التقاليد التى استقرت فى وهمه، حتى حسبها دينا، أو أشياء من الدين!! يموت الميت عندنا، وسرعان ما ينشغل أهله بحفظ كرامتهم بعده، وتكريم صلتهم به. وذلك بإعداد السرادقات أو المحال التى تستقبل المعزين ليلة أو ليلتين، واستئجار نفير من القراء يحيون هذه الليالى ـ أو يميتونها ـ بقرآن قل من يسمعه، وقل فى سامعيه من يفقهه. فإذا انتهى العزاء العاجل، فهناك زيارة القبر بعد أسبوع، أو أسبوعين، بالصدقات. ثم تتكرر هذه التكاليف المادية والأدبية، بعد أربعين يوما. ثم الذكرى الأولى بعد عام، والثانية بعد عامين... وهكذا. إن هذه التقاليد ينكرها الفهم الصحيح للدنيا، كما ينكرها الفهم الصحيح للدين. وقد فقدت "ألمانيا" فى الحرب الأخيرة قرابة عشرة ملايين قتيل، فماذا صنعت؟ أهالت التراب على موتاها فى صمت، واستأنفت جهادها للحياة فى جد، واستردت ما فقدت من خسائر فى بضع سنين. أما نحن.. فإننا نتبع الهالك الواحد بما رأيت. فكيف لو اجتاحتنا حرب بلغت ضحايانا فيها الألوف؟؟ كم مجمعا للعزاء نصنع؟ وكم زورة للقبور؟ وكم حفلا للخميس الأول، والأربعين الأول، والسنة الأولى؟ لاشك أن هذا الذى يصنعه المسلمون حمق كبير. والمؤسف أن العامة ـ والخاصة ـ يوارون هذه الحماقات فى صور دينية مبهمة. وقد عز على بعض المشتغلين بالوعظ أن يفضوا هذه المجامع. فأرادوا أن يجوزوها، أو يسوغوا وجودها، فضموا إلى تلاوة القرآن فيها إلقاء دروس عامة ص _195
ليس من الإسلام · الصفحة ١٨٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٨٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي