بيد أن العبث بها ـ شكلا وموضوعا ـ فوَّت أغلب منافعها، وأتاح للفاسدين والملحدين فرصا شتى للنيل منها... * * * أما الناحية الوجدانية فى العبادة، فقد عرضنا لبحثها فى كتابنا "فقه السيرة" وشرحنا كيف أن العبادة خضوع مشرب بالمحبة والإعجاب، لا خضوع قسر وكراهية. وناحية الوجدان فى العبادة ظفرت من المتصوفة القدامى بعناية رائعة. فقد لونوا الأفئدة بعواطف حارة، فى علاقاتها بالله، وأمدوها بفيض من الأشواق النبيلة، جعل أداء الطاعات المفروض كسماع الموسيقا المشتهاة. ولا عجب، فأكثر أولئك المتصوفين أصحاب نفوس شاعرة، تغلبها الرقة، ويسودها الخيال. وقد استطاع رجالهم الأوائل أن يقودوا الجماهير، وأن يفرضوا تعاليمهم على أكثر بلاد الإسلام. وتعاليم التصوف خلط من حقائق الدين، وموضوعات الفلسفة، وشروح طويلة لقواعد الأخلاق، وأمراض النفوس، وروابط الجماعة. وأول ما يؤخذ عليهم، أن العاطفة غلبت العقل فى ثقافتهم، وأنهم حكموا المشاعر التى أنسوا بها، على شعائر الإسلام ومعارفه التى لم يعوها. وزادهم تشبثا بما لديهم من حق وباطل، أن الفقهاء المشتغلين بالشريعة وعلومها- وهم لم يكونوا أهل رسوخ فى الدين، ولا قبول بين العامة- كان اهتمامهم متجها إلى حروف الدين وصوره الظاهرة. فإذا تحدثوا فى علم التوحيد أو علم الأخلاق، صاغوا الدلائل، ورسموا القواعد وفق ما يقضى به منطق "أرسطو" ثم خاضوا بحارا من الجدل التافه، لا ساحل لها.. والرجل إذا ذهب إلى المسجد، فسمع فى حلقات العلم الشرعى هذا الكلام، لم يعره أذنه، على حين يعطى أذنه وقلبه لشيخ يذكر الله ويبكى، ولو كان ذكره وبكاؤه على دق الطبول وصفير الناى.. لذلك كسدت سوق الفقهاء، وأدبرت معها علوم الفقه الأصيل، بعد الدخيل والهزيل! وانتشرت طرق التصوف، ونمت معها الأفكار المجذوبة، والمشاعر المخبولة، والعواطف التى لا تبالى فى حكمها على الأشياء بشرع أو عقل . ص _177
ليس من الإسلام · الصفحة ١٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي