وما يتوهمه القاصرون من تفاوت أو تناقض بين الدين والعلم، ليس إلا خرافة صغيرة. خرافة نشأت عن أخطاء المشتغلين بالعلم والدين جميعا. وقد قرأت للعلماء المتوافرين على الدراسات الكونية، تصحيحات لبقة لأخطاء زملائهم العاملين معهم فى هذا الميدان، والذين أساءوا للدين عن عمد، أو عن تهور. وأستطيع- فى دائرة المشتغلين بالدراسات الدينية- أن أوضح موقف الإسلام من العلم المادى، فأؤكد أن بحوثه وكشوفه هى المقدمات العتيدة لليقين الحق، وأنها الأسلوب الوحيد الذى ارتضاه القرآن لمعرفة الله، وأن إهمال هذا اللون الخطير من المعرفة، كان أبرز المعاصى التى أساءت إلى الحضارة الإسلامية، بل إن المسلمين بهذا الإهمال ظلموا أنفسهم ودينهم أفدح الظلم. لو أن المسلمين الأوائل ـ بدل أن يشتغلوا بفلسفات الإغريق النظرية- انساقوا مع تتار دينهم فى البحث الكونى المجرد، لكان ذلك أجدى عليهم وعلى الناس. روى الصلاح الصفدى، أن المأمون لما هادن حاكم " قبرص " كتب يطلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم فى بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الحاكم خواصه من ذوى الرأى، واستشارهم فى ذلك، فكلهم أشار بعدم تجهيزها إليه إلا بطريركا واحدا قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها، وأوقعت بين علمائها... وصح ما توقعه البطريرك الداهية، فإن المسلمين خلطوا هذه العلوم بما ورثوه من كتاب وسنة، ثم فهموا دينهم على ضوء هذه العلوم الوافدة، وما تضمنته من آراء كاسدة. ثم تطورت الحال فأصبحت هذه العلوم دينا، وأمسى الرجل يعتبر من علماء الإسلام، وهو لا يعرف إلا نزرا يسيرا من الكتاب والسنة، لأنه ضرب بسهم فى الإحاطة بهذه الترهات والأباطيل... إن الرجل لا يسمى عالما بالدين، إلا إذا كان فقيها فيما أنزل الله، ولا يعتبر عالفا بما أنزل الله إلا إذا نفذ إلى قليل أو كثير من معارف الكون. وعلى قدر معرفته بالحياة والأحياء، تكون معرفته وخشيته لله
ليس من الإسلام · الصفحة ١٦٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٦٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي