أضلوهم إذ أضافوا إلى ما شرع الله هذه الزيادات المتخمة السامة. وإذ صرفوا الهمم عن أعمال أخرى، كان الإقبال عليها أرجى فى دين الله، وأدنى إلى نفع الناس. وقد أنكر الأئمة هذه الصور الزائدة، وهى فى طورها الأول، أى يوم كان خيرها أظهر من شرها، ونفعها أقرب من ضرها. روى ابن كثير عن إسماعيل بن إسحاق: قال لى أحمد بن حنبل: هل تستطيع أن ترينى الحارث المحاسبى إذا جاء منزلك؟ فقلت: نعم، وفرحت بذلك.. ثم ذهبت إلى الحارث فقلت له: إنى أحب أن تحضر الليلة عندى، أنت وأصحابك. فقال: إنهم كثير، فأحضر لهم التمر والكسب. فلما كان بين العشاءين جاءوا. وكان الإمام أحمد قد سبقهم، فجلس فى غرفة، بحيث يراهم ويسمع كلامهم، وهم لا يرونه. فلما صفوا العشاء الآخرة، لم يصلوا بعدها شيئا، بل جاءوا فجلسوا بين يدى الحارث، سكوتا مطرقى الرءوس، كأنما على رءوسهم الطير. حتى إذا كان قريبا من نصف القيل، سأله رجل مسألة، فشرع الحارث يتكلم عليها، وعلى ما يتعلق بها الزهد والورع والوعظ، فجعل هذا يبكى، وهذا يزعق. قال: فصعدت إلى الإمام أحمد فإذا هو يبكى، حتى كاد يغشى عليه، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح. فلما أرادوا الانصراف، قلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ قال!: ما رأيت أحدا يتكلم فى الزهد مثل هذا الرجل، وما رأيت مثل هؤلاء، ومع هذا، فلا أرى أن تجتمع بهم. قال ابن كثير: وإنما كره ذلك، لأن فى كلامهم من التقشف وشدة السلوك ما لم يرد به الشرع، ومن التدقيق والمحاسبة البليغة ما لم يأت به أمر. ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازى على كتاب الحارث المسمى بـ "الرعاية" قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الذى جاء بالكتاب : عليك بما كان عليه مالك والثورى والأوزاعى، والليث، ودع عنك هذا، فإنه بدعة . ص _163
ليس من الإسلام · الصفحة ١٥٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي