تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لمواطنيهم، والوبال لغيرهم، وإن كان هذا يناقض مناقضة شديدة أسمى المثل العليا الدينية التى أوتيها الإنسان. إن المبدأ الأخلاقى الكونى لا يكون كونيا ولا أخلاقيا، إذا كان لا يصح إلا داخل جماعات منفصلة من الناس. فـ "لا تقتل " لا يمكن أن يكون معناها أن من الإجرام أن تقتل رجلا من مواطنيك، ولكن من الفضيلة أن تقتل رجلا يُعد مواطنا فى دولة أخرى. ومثل هذا التطور يلاحظ فى جميع أديان التوحيد الثلاثة. فالوحدة التى احتفظ بها القرآن قرونا بين الشعوب الإسلامية المختلفة الأصول، قد ذهبت وصار الشعب الإسلامى قوميات شتى. فدعاة الجامعة التركية يرمون إلى توحيد فروع معينة من الجنس التركى، ودعاة الجامعة العربية يشيرون باتحاد الشعوب العربية. ويقول المسلمون فى الهند: "إننا هنود أولا، ومسلمون بعد ذلك ". وقد نسى الجميع الصبغة العالمية التى كانت أساس دين الإسلام العظيم. والأمر لا يقتصر على المسيحية والإسلام. فإن أقدم الموحدين- هم اليهود- قد نسوا التعاليم الأساسية، وهى أنه عالمى. ويبدو أنهم عادوا لا يتذكرون أن الله الواحد الأحد تعالى، قد اختارهم لينشروا دعوة التوحيد بين أهل العالم. فهم يبغون أن يعبدوا- بعواطف مشبوهة - إلههم القومى الخاص، وأن تكون لهم دولتهم القومية. وما من اضطهاد أو عذاب، مهما بلغ أمره، يمكن أن يسوغ نبذ هذه الرسالة العالمية من أجل القومية- وهى اسم آخر للقبلية- التى هى أصل مصائبهم جميعا. وإنه لعلى أعظم جانب من الخطر لمستقبل الإنسانية، أن تدرك مبلغ التشويه الذى أصاب عقيدة التوحيد العالمية من جراء هذه النزعات الضيقة. فما كان من الممكن قط- بدون تأثيرها- أن تقوم الحرية الإنسانية فى الجماعة الديموقراطية ولا أن تبقى. وما من سبيل إلى إنقاذ الجماعة الإنسانية إلا بالعالمية. ص _160

ليس من الإسلام · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ليس من الإسلامص ١٥٥