- وعلم يتصل بما وراء المادة، أى بعالم الغيب. والمعارف التى تجيئنا فى هذا الميدان مصدرها الفذ وحى السماء، ولا مجال فيها للعقل إلا مجال الافتراض والتظنن. وأكثر الفلسفات المتصلة بما وراء المادة، هذيان وتخبط. لأنها لا تخضع لوسائل يحكمها العقل السليم، أو تتمشى مع منطقه المحكم. ومقتضى ذلك أن نتلقى بالتسليم ما جاء به الشارع من حقائق غيبية، وأن نتيح للعقل فرصة الاجتهاد والاكتشاف فى ميدان الكون الرحب. أليس من السخف أن يجىء رجل ليبحث عن حقيقة استواء الرحمن على عرشه، وهو لا يدرى شيئا عن قوانين الأجسام الطافية، أو قوانين الانعكاس والانكسار؟ هبه درى بشىء من ذلك بالوسائل المادية التى بين يديه. فما هى الوسائل التى يصل بها إلى استكناه حقيقة الاستواء؟ لا شك أن انشغال العقل الإسلامى بهذه البحوث غير المادية، كان على حساب تقصيره المعيب فى البحوث المادية نفسها، فضلا عن تقصيره فى رسالته العلمية التى شرحناها آنفا، وأن الكلام فى الإلهيات على هذا النحو من المحدثات التى آذت الإسلام وأهله فى الأولين والآخرين... * * * * بين الغيب والشهادة: أودع الله عز وجل فى الأشياء خصائص لا تنفك عنها عادة. والناس فى تعميرهم للأرض يتعرفون هذه الخصائص لكل عنصر، وينتفعون بها جهد طاقتهم. وقد استطاعت الحضارة الحديثة أن تستكشف كثيرا من خواص المادة، وأن تستفيد منها فى نواح شتى. وعلم هذه الخواص موكول إلى الناس وإلى مدى تجاربهم ومعارفهم. فإذا كانت الحقائق المسلَّمة قد انتهت إلى تحديد الخواص الممكنة لشىء ما، فإن على المسلم أن يحترم هذه الحقائق، وليس له- باسم الإسلام ـ أن ينتقصها أن يتزيد عليها، ولا يُقبل منه دينا أن يتجاهلها، باسم التوكل على الله، أو أن يضيف إليها خصائص من عنده باسم الصلة بالله. ص _148
ليس من الإسلام · الصفحة ١٤٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٤٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي