ولم يبق إلا نقل مذاهبهم، وعمل كل مقلد بمذهب مَن قلده منهم، بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية. ولا محصول للفقه غير هذا، ومدعى الاجتهاد لهذا العهد (فى المائة السابعة) مردود على عقبه، مهجور تقليده " . وبمنع تداول التقليد بين المذاهب اشتد الفاصل بينها، واتسعت الفجوة- بالتالى- بين المقلدين بكل مذهب منها. "ولما صار مذهب كل إمام علما مخصوصا عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس، احتاجوا إلى تنظير المسائل فى الإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه، بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم. وصار ذلك كله يحتاج إلى مَلكة راسخة، يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا. وهذه الملكة، هى "علم الفقه " لهذا العهد" . وإذا تحول الاجتهاد إلى تقليد، وتحولت ملكة الاستنباط والاستخراج إلى التأسى واتباع ما وضعه إمام المذهب، بل إذا حيل بين المقلدين وبين الاختيار فى التقليد، أو بين التنقل فى التبعية- فالمنتظر أن تصبح المذاهب الفقهية أشبه بالديانات المختلفة، فى التعصب لها والجدل حول قيمها بين الأتباع. بل قد أصبح هذا المنتظر حقيقة واقعة واستُحدث فى الجماعة الإسلامية ما يسمى بعلم " الخلافيات ". وقوام هذا العلم محاجة أصحاب كل مذهب وأتباعه لأصحاب المذهب الآخر وأتباعه، فى قيمة المذهب ووجوب تبعيته. قال ابن خلدون: "فاعلم أن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين، باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافا لابد من وقوعه.. واتسع ذلك فى الملة اتساعا عظيما. وكان للمقلدين من شاءوا منهم. ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار، وكانوا بمكان من حسن ص _137
ليس من الإسلام · الصفحة ١٣٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي