والذى حدث هنا حدث أيضا فى التصوف. فالتصوف الذى ذكرناه من قبل- وهو التصوف القائم على الطاعة والإيمان، وعلى المجاهدة ومحاسبة النفس- تحوَّل- تحت تأثير هذه الفكر الدخيلة- إلى ما صار إليه اتجاه الغلاة من الشيعة، فهم يقولون بالتثليث أيضا، ثالوثهم : الله، ومحمد ، و"القطب ". وفى القطب حلت روح الله، فهو معصوم، ساقطة عنه التكاليف، واجب التوسل به، لأنه مركز إنقاذ البشرية. وزاد التصوف فى التأثر بالفكر الدخيلة عن اتجاه غلاة الشيعة، بأن اعتقد بعض المتصوفة المتأخرين بالوحدة الشاملة، وبالتجلى. على معنى أن هذه الكائنات هى عين الله، والتعبير عنه: "كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفونى". يقول "ابن خلدون " فى وصف هؤلاء المتأخرين من المتصوفة: "وكذا جاء المتأخرون من غلاة المتصوفة المتكلمين بالمواجيد أيضا فخلطوا مسائل الفنيين بفنهم، وجعلوا الكلام واحدا فيها. مثل كلامهم فى النبوات، والاتحاد، والحلول، والوحدة، وغير ذلك " . كما يقول: "ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والمدارك التى وراءه. واختلفت طرق الرياضة عندهم فى ذلك، باختلاف تعليمهم فى إماتة القوى الحسية، وتغذية الروح العاقل بالذكر، حتى يحصل للنفس إدراكها الذى لها من ذاتها، بتمام نشوتها وتغذيتها. فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر فى مداركها حينئذ، وأنهم كشفوا ذوات الوجود، وتصوَّروا حقائقها كلها من العرش إلى الفرش.... وقصرت مدارك من لم يشاركهم فى طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجيدهم فى ذلك. وأهل الفتي، بين منكر عليهم ومسلم لهم. وليس البرهان والدليل بنافع فى هذا الطريق ردا أو قبولا، إذ هى- بزعمهم- من قبيل الوجدانيات. ص _131
ليس من الإسلام · الصفحة ١٢٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ليس من الإسلامص ١٢٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي