كل ذلك جلب التعاسة له، والانكفاء داخل البيت، ومن ثم أحضان أمه، فنفسه.. لكنه كثيراً ما حاول الخروج عن تلك السيطرة، وذلك الانكفاء.. فها هو يقول: ((إنني لا أستطيع أن أقول أنني استكنت إلى تلك الحياة بلا تململ، ولعلي ضقت فيها في أحايين كثيرة، وتطلعت إلى الحرية والانطلاق، ولعل ضيقي ذلك مضى يزداد بتدرجي في مدارج النمو، وأي ذلك أنها أقبلت تخوفني أشياء لا حصر لها لتردني عما أتطلع إليه من حرية وانطلاق، ولتحتفظ بي في حضنها على الدوام. ملأت أذني بقصص العفاريت والأشباح والأرواح والجان والقتلة واللصوص، حتى خلتني أسكن عالماً حافلاً بالشياطين والإرهاب، كل مابه من كائنات خليق بالحذر والخوف)) ((19)). أما أمه، فقد كانت تعيده إلى سيطرتها، بأساليبها الخاصة، لكن مثل تلك المحاولات –خروجه من البيت خلسة واللعب مع أقرانه، وكذلك حبه للفتاة أثناء دراسته في الثانوية وغيرها- كانت تقمع من قبلها، وبنفس الوقت لم يكن ينساها بسهولة، وإنما.. كان لا شعوره يحتفظ بها.. فها هو يقول: ((طالما رفت على خاطري الرغبة في هجرها في صورة أحلام غامضة، ولكن هل يسعني حقاً أن أهجرها؟)). إن رغبته في التحرر من سيطرة الأم أخذت تزداد عنده شيئاً فشيئاً حتى وصلت ذروتها عندما طلب يد محبوبته بنفسه ومن ثم الزواج منها ((بمشورة من مجلة استشارها)). رغم هذه السلبية البادية عليه أمام الأم، كان تفكيره ولا شعوره –في الوقت نفسه- يعمل ضد هذه السيطرة، محاولاً الانعتاق منها، أي كانت هناك قوتان تصطرعان في داخل لا شعوره، هما: قوة البقاء تحت تلك السيطرة، وقوة التحرر منها. إن هذا الصراع يبقى جياشاً في لا شعوره حتى لحظة المواجهة الحاسمة مع أمه، بعد وفاة زوجته، إذ عندها ينتهي ذلك الصراع إلى جانب قوة التحرر من تلك السيطرة، حيث بموت الزوجة تموت كل القيم الأخلاقية التي كانت تمثلها الأم وتجسدها الزوجة كصورة من صور الأم.
_ليلة_وليلة_وسحر_السردية_العربية · الصفحة ٧٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
_ليلة_وليلة_وسحر_السردية_العربيةص ٧٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي