كما يتجسد هذا الاستيعاب في ظاهرة التطبيع التربوي على تقبل الخلاف نفسياً، والقبول بظاهرة تعدد الآراء، والاستيعاب النفسي لها، مع مناقشتها على درجات من التقويم والتسديد بحسب اقترابها من النص والمقاصد العامة والخاصة للتشريع، فكلما بعدت ازدادت حدة الإنكار في ظل حسن الظن، والأخوة الإسلامية، وهذا ما أرسته قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف)، مع تذكر أن الإنكار قد يعلو إذا كان الخلاف بعيداً، أو ضعيفاً والنص ظاهراً في الدلالة محتفٌ بقرائن تدل على المراد.
ولا يعني ذلك انثلام عرى الأخوة بين المتناصحين، ولا انفراط عقد المحبة بين طرفي الإنكار، بل يزداد الصف المسلم صلابة وقوة وتماسكاً، وتبقى حقوق كل مسلم على أخيه المسلم وواجباته من المسائل القطعية التي لا تُصادرها المسائل الظنية المختلف فيها ما دام ذلك باقياً في ظل الأصول المعلومة.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعالم الثلاث وأكد عليها مجموعة في عدة أحاديث، منها ما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» الحديث(1)[86])،
فقوله: «أن تعتصموا بحبل الله جميعاً» يشير إلى أهمية عروة الأخوة الإسلامية، وقرنها بعبادة الله وحده لا شريك له.
(1) 86]) أخرجه مسلم.