لقد حاولت في ما سبق أن أعرض لجانب من الجوانب المهمة في الفقه الإسلامي، يكشف عن مدى ما يتوفر عليه من السعة والرحابة في استيعاب الخلاف من خلال هذه القاعدة الفقهية الجليلة: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وأنها يجب أن توضع في موضعها اللائق بها... كما حاولت أن أبيِّن أن هذا الاستيعاب إنما يتجسد في الاتساق التام بين هذه الثلاثية الفريدة من: إشاعة التقويم بأنواعه المختلفة، والتعامل الشرعي معه وفق أقسام مسائل الخلاف مع بقاء الأخوة الإسلامية، والمحافظة على صلاح ذات البين.
فالتقويم والنقد يعتبر في المجتمع الإسلامي معلماً شرعياً، وركيزة أساسية، وقيمة خلقية، سواء تمَّ من خلال النصح مع الستر والإسرار في الحالات الفردية أو الأفكار الشخصية، أو من خلال الإنكار مع الإظهار في حالة كون الخلل أفكاراً علنية أو أفعالاً مقتدى بها، وعدم استعلاء أيٍّ كان على النقد أو ترفعه، أو تكوين حساسياتٍ مفرطة إزاء ذلك، فضلاً عن مصادرة النقد أو التهجم على أصحابه أو الحط منهم بشتى الألقاب، مما يفعله بعض المتأخرين من محاولة محاربتهم في كل وادٍ وناد.. والتقويم والنقد هي القيمة التي يتباهى بها العالم اليوم، مع أنها كانت من أهم القيم التي اتضحت خلال مسيرة أمة الإسلام الحافل بجليل القيم والأعمال حتى اعترانا ما اعترانا من نبذ كثير من معالم الدين وراءنا ظهرياً، ثم كان الانبهار بالوافد، والانصهار فيه.